ج / 11 ص -139- أَيَّامًا فَلَمْ يُحْلَبْ، وَأَصْلُ التَّصْرِيَةِ: حَبْسُ الْمَاءِ وَجَمْعِهِ، يُقَالُ مِنْهُ صَرَيْتُ الْمَاءَ، وَيُقَالُ إنَّمَا سُمِّيَتْ الْمُصَرَّاةُ؛ لِأَنَّهَا مِيَاهٌ اجْتَمَعَتْ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَلَوْ كَانَ مِنْ الرَّبْطِ لَكَانَ مَصْرُورَةً أَوْ مُصَرَّرَةً، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: كَأَنَّهُ يُرِيدُ بِهِ الرَّدَّ عَلَى الشَّافِعِيِّ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ حَسَنٌ. وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ صَحِيحٌ. وَالْعَرَبُ تُصِرُّ ضُرُوعَ الْحَلُوبَاتِ إذَا أَرْسَلَتْهَا تَسْرَحُ وَيُسَمُّونَ ذَلِكَ الرَّبْطَ صُرَارًا، فَإِذَا رَاحَتْ حَلَّتْ تِلْكَ الْأَصِرَّةَ وَحَلَبَتْ، وَاسْتُدِلَّ لِصِحَّةِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ بِقَوْلِ الْعَرَبِ"الْعَبْدُ لَا يُحْسِنُ الْكَرَّ وَالْفَرَّ، وَإِنَّمَا يُحْسِنُ الْحَلْبَ وَالصَّرَّ"وَيَقُولُ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ:
فَقُلْتُ لِقَوْمِي1 هَذِهِ صَدَقَاتُكُمْ مُصَرَّرَةٌ أَخْلَافُهَا لَمْ تُجَدَّدْ
قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ أَصْلَ الْمُصَرَّاةِ مُصَرَّرَةٌ، أُبْدِلَتْ إحْدَى الرَّاءَيْنِ يَاءً، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ فِي كَلَامِهِ عَلَى مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ: جَائِزٌ أَنْ تَكُونَ سُمِّيَتْ مُصَرَّاةً مِنْ صَرَّ أَخْلَافَهَا كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله، وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ سُمِّيَتْ مُصَرَّاةً مِنْ الصَّرْيِ، وَهُوَ الْجَمْعُ، يُقَالُ: صَرَيْتُ الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ إذَا جَمَعْتَهُ، وَيُقَالُ كَذَلِكَ: الْمَاءُ صَرَى، وَقَالَ عُبَيْدٌ:
يَا رُبَّ مَاءٍ صَرًى وَرَدْتُهُ سَبِيلَهُ خَائِفٌ حَدَثٌ
وَمَنْ جَعَلَهُ مِنْ الصَّرِّ قَالَ: كَانَتْ الْمُصَرَّاةُ فِي الْأَصْلِ مَصْرُورَةً فَاجْتَمَعَتْ ثَلَاثُ رَاءَاتٍ فَقُلِبَتْ إحْدَاهَا يَاءً كَمَا قَالُوا:"تَظَنَّنْتُ مِنْ الظَّنِّ"، وَكَمَا قَالَ الْعَجَّاجُ:
يَمْضِي الْبَازُ إذْ الْبَازِي كُسِرَ
هَذَا كَلَامُ الْأَزْهَرِيِّ رحمه الله، وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ رحمه الله الْمَذْكُورُ هُوَ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: رحمه الله: وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما قَالَ:"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ النَّجْشِ وَالتَّصْرِيَةِ". قَالَ: وَهَذَا يَدُلُّ لِرِوَايَةِ الْجُمْهُورِ يَعْنِي لِلضَّبْطِ فِي الرِّوَايَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وأما: الِاشْتِقَاقُ وَالْمَعْنَى الْمُخْتَلَفُ فِيهِ بَيْنَ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ فَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ ذَلِكَ مَعَ إبْدَالِ الرَّاءِ يَاءً، عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ رحمه الله تَصْرِيحٌ بِأَنَّ ذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنْ الصَّرِّ، وَإِنَّمَا مَقْصُودُهُ وَمَدْلُولُ كَلَامِهِ: أَنَّهُ فَسَّرَ التَّصْرِيَةَ بِالْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ فِي كَلَامِهِ مِنْ الرَّبْطِ وَالتَّرْكِ مِنْ الْحَلْبِ حَتَّى يَجْتَمِعَ اللَّبَنُ، وَالشَّكُّ: أَنَّ ذَلِكَ فِيهِ مَعْنَى الرَّبْطِ وَالْجَمْعِ مَعًا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ التَّسْمِيَةُ بِذَلِكَ لِأَجْلِ الْجَمْعِ، وَذَكَرَ الرَّبْطَ؛ لِأَنَّهُ الْمُعْتَادُ عِنْدَ الْعَرَبِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ؛ وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ فِي احْتِبَاسِ اللَّبَنِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ مُخَالَفَةٌ لِغَيْرِهِ إلَّا زِيَادَةٌ تُبَيِّنُ مَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَفْعَلَهُ مِنْ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ومنها:
وقلت خذوا أموالكم غير خائف ولاناظر فيما يجيء من الغد
فإن قام بالمر المخوف قائم منعنا وقلنا: الدين دين محمد
من كتابنا"خالد بن الوليد قيادة ودعوة".