ج / 11 ص -140- رَبْطِ أَخْلَافِ النَّاقَةِ وَالشَّاةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَسْمِيَتُهَا بِذَلِكَ لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الصَّرِّ وَالرَّبْطِ، وَحِينَئِذٍ تَتَحَقَّقُ الْمُخَالَفَةُ، فَالْأَقْرَبُ: أَنَّ الشَّافِعِيَّ إنَّمَا أَرَادَ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ، وَقَدْ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ: الشَّافِعِيُّ أَعْلَمُ بِاللُّغَةِ مِنَّا، نَقَلَهُ عَنْهُ الثَّعْلَبِيُّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ.
وَرَوَيْنَا عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ: قَوْلُ الشَّافِعِيِّ حُجَّةٌ فِي اللُّغَةِ، قَالَ الرَّبِيعُ: ابْنُ هِشَامٍ بِمِصْرَ كَالْأَصْمَعِيِّ بِالْعِرَاقِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الشَّافِعِيُّ مِمَّنْ يُؤْخَذُ عَنْهُ اللُّغَةُ أَوْ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ الشَّكُّ مِنْ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ الْمَازِنِيُّ: الشَّافِعِيُّ عِنْدنَا حُجَّةٌ فِي النَّحْوِ، وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ الْجَارُودِ: إنَّ لِلشَّافِعِيِّ لُغَةً جَيِّدَةً يُحْتَجُّ بِهَا كَمَا يُحْتَجُّ بِالْبَطْنِ مِنْ الْعَرَبِ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ: إنَّ الشَّافِعِيَّ رحمه الله مِنْ بَيْتِ اللُّغَةِ يَجِبُ أَنْ يُؤْخَذَ عَنْهُ، وَقَالَ أَيُّوبُ بْنُ سُوَيْدٍ: خُذُوا عَنْ الشَّافِعِيِّ اللُّغَةَ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ أَيْضًا: إنَّمَا يُؤْخَذُ الشَّافِعِيُّ بِاللُّغَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِهَا، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذِهِ الْأَقْوَالَ كُلَّهَا لِيَتَبَيَّنَ قَدْرُ الشَّافِعِيِّ عِنْدَ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي كَلَامِهِ رحمه الله: أَنَّ التَّصْرِيَةَ أَنْ يُرْبَطَ أَخْلَافُ النَّاقَةِ وَالشَّاةِ، وَأَخْلَافٌ جَمْعُ خِلْفٍ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْخِلْفُ لِكُلِّ ذَاتِ خُفِّ، وَالطَّيُّ لِلسِّبَاعِ وَذَوَاتِ الْحَافِرِ وَجَمْعُهُ أَطْيَاءُ، وَالضَّرْعُ لِكُلِّ ذَاتِ ظِلْفٍ، قَالَ: وَقَدْ يُجْعَلُ الضَّرْعُ أَيْضًا لِذَوَاتِ الْخُفِّ. وَالْخُفَّ لِذَوَاتِ الظِّلْفِ، وَالثَّدْيُ لِلْمَرْأَةِ.
قلت: فَإِطْلَاقُ الشَّافِعِيِّ أَخْلَافَ النَّاقَةِ وَالشَّاةِ، إمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ التَّغْلِيبِ غَلَّبْنَا النَّاقَةَ عَلَى الشَّاةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي التَّصْرِيَةِ لُغَةُ التَّصْوِيَةِ بَدَلُ الرَّاءِ وَاوٌ، قَالَ الْهَرَوِيُّ: التَّصْوِيَةُ وَالتَّصْرِيَةُ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَنْ تُصَرَّى الشَّاةُ أَيْ تُحَفَّلَ، قَالَ يُوسُفُ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ أَبِي الْحَجَّاجِ الْمَقْدِسِيِّ فِيمَا عَلَّقَهُ مِنْ كِتَابِ التَّنْبِيهِ عَلَى تَصْحِيفِ أَبِي عُبَيْدٍ الْهَرَوِيِّ فِي كِتَابِ الْغَرِيبَيْنِ تَخْرِيجُ ابْنُ نَاصِرٍ، قَالَ الْحَافِظُ: هَكَذَا رَأَيْتُهُ فِي عِدَّةِ نُسَخٍ: يُصَرُّ الشَّاةَ بِغَيْرِ يَاءٍ، وَالصَّوَابُ: أَنْ يُصَرِّيَ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ بَعْدَ الرَّاءِ مِنْ حَدِيثِ النَّاقَةِ.
فَأَمَّا: قَوْلُهُ: أَنْ يُصَرَّ فَمَعْنَاهُ أَنْ يَشُدَّ، وَذَلِكَ يَجُوزُ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قلت: وَلَمْ أَرَهُ فِي الْغَرِيبَيْنِ إلَّا بِالرَّاءِ وَالْيَاءِ كَمَا نَقَلْتُهُ، فَلَعَلَّ النُّسَخَ الَّتِي وَقَعَتْ لِابْنِ نَاصِرٍ كَانَتْ مُصَحَّفَةً، وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ النُّسَخِ لَكَانَ ذَلِكَ قَرِيبًا مِنْ الْمَعْنَى الْمَنْسُوبِ لِلشَّافِعِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ. وَمَا اُعْتُرِضَ بِهِ مِنْ أَنَّ النَّهْيَ لَمْ يَرِدْ عَنْ الصَّرِّ، فَجَوَابُهُ: أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأَجْلِ الْبَيْعِ عَلَى وَجْهِ الْغِشِّ وَالْخَدِيعَةِ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الْمُزَنِيِّ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ الصَّرِّ وَالتَّصْرِيَةِ حَرَامٌ، إذَا قُصِدَ بِهِ ذَلِكَ، وَجَائِزٌ إذَا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ، وَلَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ خَدِيعَةٌ وَلَا ضَرَرٌ بِالْحَيَوَانِ، لَكِنَّ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ مِنْ الرَّدِّ وَثُبُوتِ الْخِيَارِ إنَّمَا يَكُونُ فِي حَالَةٍ يَحْصُلُ فِيهَا اجْتِمَاعُ اللَّبَنِ لَا فِي الصَّرِّ الْمُجَرَّدِ لِفَهْمِ الْمَعْنَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاللِّقْحَةُ بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِهَا وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ، وَجَمْعُهَا لِقَحٌ مِثْلَ: قِرْبَةٌ وَقِرَبٌ وَهِيَ النَّاقَةُ الْقَرِيبَةُ الْعَهْدُ بِالْوِلَادَةِ نَحْوَ شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، وَالْمُحَفَّلَةُ هِيَ الَّتِي حُفِّلَ اللَّبَنُ فِي ضَرْعِهَا وَهِيَ الْمُصَرَّاةُ، وقوله: