ج / 11 ص -141- بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ هُوَ إمْسَاكُ الْمَبِيعِ أَوْ يَرُدُّهُ، أَيُّهُمَا كَانَ خَيْرًا لَهُ فَعَلَهُ وَالْحِلَابُ: هُوَ الْإِنَاءُ يَمْلَؤُهُ قَدْرُ حَلْبَةِ نَاقَةٍ، وَيُقَالُ لَهُ: الْمَحْلَبُ أَيْضًا، وَبَعْضُهُمْ يُطْلِقُ فَيَقُولُ: الْحِلَابُ الْإِنَاءُ الَّذِي يُحْلَبُ فِيهِ الْأَلْبَانُ وَيُطْلَقُ عَلَى الْمَحْلُوبِ، وَهُوَ اللَّبَنُ كَالْحِرَافِ لِمَا يُحْتَرَفُ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: إنَّمَا يُقَالُ فِي اللَّبَنِ الْإِحْلَابَةُ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحِلَابِ فِي الْحَدِيثِ وَكَذَلِكَ الْحَلْبَةُ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ اللَّبَنُ نَفْسُهُ. وَمِنْ الظَّاهِرِيَّةِ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، وَرَأَوْا أَنَّ هَذَا مِنْ الْمَجَازِ الَّذِي لَمْ يَدُلَّ نَصٌّ عَلَى إرَادَتِهِ، وَسَيَقَعُ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْفَصْلِ الثَّانِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: بَدَلُ اللَّبَنِ التَّمْرُ وَالْحِنْطَةُ وَالطَّعَامُ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ.
وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا فَالْمُرَادُ بِهِ التَّمْرُ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَمْرَيْنِ. أحدهما: أَنَّهُ كَانَ الْغَالِبُ عَلَى أَطْعِمَتِهِمْ والثاني: لِأَنَّ مُعْظَمَ رِوَايَاتِ الْأَحَادِيثِ إنَّمَا جَاءَتْ"وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ"، وَيَحْتَمِلُ وَجْهًا ثَالِثًا مِنْ الِاسْتِدْلَالِ، وَهُوَ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْغَالِبَ، وَلَا أَنْ يَتَرَجَّحَ رِوَايَتُهُ، هَذَا مَا فِي حَدِيثِ الْكِتَابِ وَطُرُقِهِ مِنْ اللُّغَةِ، وَتَبْوِيبُ الْمُصَنِّفِ الْمَقْصُودُ بِهِ ذِكْرُ الْأَسْبَابِ الْمُثْبِتَةِ لِخِيَارِ النَّقِيصَةِ،، وَهُوَ مَا ثَبَتَتْ بِفَوَاتِ أَمْرٍ مَظْنُونٍ يَنْشَأُ فِيهِ مِنْ تَغْرِيرٍ فِعْلِيٍّ كَالتَّصْرِيَةِ، أَوْ نَصٍّ عُرْفِيٍّ كَالْعَيْبِ، فَإِنَّ الْعُرْفَ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ، أَوْ الْتِزَامٍ شَرْطِيٍّ كَشَرْطِ الْكِتَابَةِ وَنَحْوِهِ، إذَا خَرَجَ بِخِلَافِهِ.
وَقَدْ ضَمَّنَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْبَابَ هَذِهِ الْأَقْسَامَ الثَّلَاثَةَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ، وَقَدَّمَ التَّصْرِيَةَ؛ لِأَنَّهَا الْمَنْصُوصُ عَلَيْهَا، وَذَكَرَ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَاسَهُ عَلَيْهَا، كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِهِ، وَقَدْ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثًا نَصًّا سَنَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ خِيَارَ الْخُلْفِ الَّذِي يَثْبُتُ بِفَوَاتِ الِالْتِزَامِ الشَّرْطِيِّ، وَجُعِلَ مُؤَخَّرًا عَنْ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ إمَّا: لِأَنَّهُ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ أَيْضًا أَعْنِي الرَّدَّ بِالْعَيْبِ، وَإِمَّا؛ لِأَنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ أَكْثَرُ وُقُوعًا، وَإِنْ كَانَا جَمِيعًا ثَبَتَا بِالْقِيَاسِ عَلَى التَّصْرِيَةِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ، وَلَوْلَا التَّصْرِيَةُ وَرَدَ فِيهَا النَّصُّ لَكَانَ يَقْتَضِي: أَنْ يُقَدَّمَ الِالْتِزَامُ الشَّرْطِيُّ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْمُلْتَزَمَ بِالشَّرْطِ أَوْكَدُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى مِنْ الْمُلْتَزَمِ بِالْعُرْفِ أَوْ بِقَرِينَةِ الْحَالِ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْغَزَالِيُّ: إنَّ الِالْتِزَامَ الشَّرْطِيَّ هُوَ الْأَصْلُ وَمَا عَدَاهُ مُلْحَقٌ بِهِ، يُشِيرُ إلَى هَذَا الْمَعْنَى، فَكَانَ ذَلِكَ كَنَصٍّ فِي فَرْعٍ لَيْسَ فِيهِ إلَّا أَصْلٌ وَاحِدٌ، فَإِنَّهُ يَتَبَيَّنُ بِذَلِكَ حُكْمُ ذَلِكَ الْأَصْلِ، وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إنَّ حُكْمَ الْفَرْعِ مَأْخُوذٌ مِنْ ذَلِكَ الْأَصْلِ، وَإِنْ كَانَ مَنْصُوصًا، وَهَذَا الْمَعْنَى ذَكَرَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي نَصِّ الشَّافِعِيِّ عَلَى فَرْعٍ يَكُونُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
وأما: اقْتِصَارُ الْمُصَنِّفِ فِي التَّرْجَمَةِ عَلَى الْمُصَرَّاةِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَسُكُوتُهُ عَلَى خِيَارِ الْخُلْفِ، وَإِنْ كَانَ الْخُلْفُ لَيْسَ بِعَيْبٍ، وَلَكِنَّهُ فَوَاتُ فَضِيلَةٍ فَلِأَجْلِ اسْتِوَائِهَا فِي النَّقْصِ فِيهِ بِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ؛ وَلِأَنَّ التَّصْرِيَةَ وَالرَّدَّ بِالْعَيْبِ فَرْعَانِ لِأَصْلٍ بِالْمَعْنَى الَّذِي لَحَظَهُ الْغَزَالِيُّ كَمَا تَقَدَّمَ، فَذِكْرُهُمَا فِي التَّرْجَمَةِ مُنَبِّهٌ عَلَى أَصْلِهِمَا بِطَرِيقٍ أَوْلَى، وَوَضَعَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْبَابَ؛ لِأَنَّهُ فَرْعٌ مِنْ الْأَبْوَابِ الْمُتَضَمِّنَةِ شُرُوطَ الْعَقْدِ مُطْلَقًا فِي بَابِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَشُرُوطُهُ فِي الرِّبَوِيَّاتِ وَبَيْعِ الثِّمَارِ أَخْذٌ فِي أَسْبَابِ الْفَسْخِ وَاسْتِدْرَاكُ