فهرس الكتاب
ج / 11 ص -142- مَا يَقَعُ فِي الْبَيْعِ مِنْ الْعَيْبِ بِالْفَسْخِ أَوْ بِالْأَرْشِ. وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ:"أَوْ بَقَرَةً"لِيَتَبَيَّنَ أَنَّ الْحُكْمَ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَى الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ اللَّذَيْنِ ضَمَّنَهُمَا الْحَدِيثَ الَّذِي ذَكَرَهُ، بَلْ هُوَ شَامِلٌ إمَّا بِالْقِيَاسِ إذَا اقْتَصَرَ عَلَى الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ، وَذَلِكَ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ لَبَنَ الْبَقَرِ أَغْزَرُ وَأَكْثَرُ بَيْعًا مِنْ لَبَنِ الْإِبِلِ وَإِمَّا بِالنَّصِّ، فَإِنَّ فِي الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ"مَنْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً".
وَقَالَ بَعْضُ شَارِحِي التَّنْبِيهِ: إنَّ ذَلِكَ لِلرَّدِّ عَلَى الظَّاهِرِيِّينَ الَّذِينَ خَصُّوا الْحُكْمَ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ مِنْ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ، وَهَذَا الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ الظَّاهِرِيِّينَ نَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ دَاوُد، فَصَرَّحَ ابْنُ الْمُغَلِّسِ وَابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيَّانِ بِأَنَّ: شُمُولَ الْحُكْمِ تَمَسُّكٌ بِالنَّصِّ الْعَامِّ وَهُوَ قَوْلُهُ"مَنْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً"وَلَمْ يَحْكِيَا فِي ذَلِكَ خِلَافًا، وَهُوَ اللَّائِقُ بِمَذْهَبِهِمْ أَخْذًا بِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَلَا يَجِبُ تَقْيِيدُ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ بِالْآخَرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمُطْلَقِ، وَالْخَبَرُ هَهُنَا عَامٌّ لِصِيغَةِ"مَنْ".
لَكِنْ يَعْرِضُ هَهُنَا بَحْثَانِ. أحدهما: أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ الَّذِي فِيهِ"مَنْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً"مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَتِهِ أَيْضًا": مَنْ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً"، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ فِيهَا زِيَادَةٌ لَيْسَتْ فِي الْأُولَى، وَزِيَادَةُ الْعَدْلِ مَقْبُولَةٌ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا وَعَدَمُ الْقَوْلِ بِالْعُمُومِ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ وَاحِدٌ وَمُخْرِجَهُ وَاحِدٌ. وَوَجْهُ إدْرَاكِ الصَّوَابِ فِي هَذَا الْبَحْثِ أَنَّا نَظَرْنَا الرِّوَايَةَ الْعَامَّةَ الْمَذْكُورَةَ الَّتِي لَيْسَتْ فِيهَا الزِّيَادَةُ، وَهِيَ قَوْلُهُ"مَنْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً"فَوَجَدْنَاهَا مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ. وَذَلِكَ فِي مُسْلِمٍ، وَمِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، وَذَلِكَ فِي ابْنِ مَاجَهْ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَمِنْ رِوَايَةِ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، وَذَلِكَ فِي التِّرْمِذِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَعَنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَذَلِكَ فِي التِّرْمِذِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَمِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَذَلِكَ فِي النَّسَائِيّ.
وَنَظَرْنَا الزِّيَادَةَ فَوَجَدْنَاهَا مِنْ طُرُقٍ: منها: عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ، وَفِيهَا"مَنْ اشْتَرَى مِنْ الْغَنَمِ"، وَهَذَا اخْتِلَافٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ سُفْيَانَ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ، وَالرَّاوِي عَنْهُمَا شَخْصٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْعَدَنِيُّ. ومنها: قُرَّةُ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ وَفِيهَا"مَنْ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً"، وَهَذَا اخْتِلَافٌ عَنْ قُرَّةَ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ مُوسَى بْنُ يَسَارٍ وَاخْتُلِفَ عَنْهُ أَيْضًا، وَاخْتُلِفَ أَيْضًا عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، وَكِلَا السَّنَدَيْنِ إلَيْهِ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ، فَلَمَّا رَأَيْنَا هَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَالِاخْتِلَافَ نَظَرْنَا مَا يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ فَقُلْنَا: جَمِيعُ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِينَ ذَكَرْنَاهُمْ هَهُنَا اُخْتُلِفَ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ إلَّا مُحَمَّدَ بْنَ زِيَادٍ وَالشَّعْبِيَّ، فَإِنَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ مِنْهُمَا فِيمَا عَلِمْنَا، وَلَمْ يَرِدْ عَنْهُمَا إلَّا الصِّيغَةُ الْعَامَّةُ، وَإِلَّا ثَابِتُ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَلَمْ يَرِدْ عَنْهُ إلَّا الطَّرِيقُ الْمُثْبِتَةُ الزِّيَادَةَ وَهِيَ قَوْلُهُ:"مَنْ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً"فَقَدْ يُقَالُ: إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّعْبِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ أَجَلُّ مِنْ ثَابِتٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ أَجَلُّ وَأَحْفَظُ وَأَتْقَنُ مِمَّنْ خَالَفَهُ، فَتُقَدَّمُ رِوَايَةُ الْعُمُومِ لِذَلِكَ.
وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ جَانِبَ الزِّيَادَةِ هُنَا وَرَدَ مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ، وَاحْتِمَالُ النَّقْصِ فِي رِوَايَةِ الْمُثْبَتِ الْمُتْقَنِ أَوْلَى مِنْ احْتِمَالِ الْخَطَأِ وَالْوَهْمِ بِالزِّيَادَةِ فِي حَقِّ الثِّقَةِ، وَاَلَّذِي أَقُولهُ: إنَّ الْحُكْمَ بِالْخَطَأِ عَلَى رَاوِي الزِّيَادَةِ هَهُنَا بَعِيدٌ، فَالْأَقْرَبُ أَنْ تُجْعَلَ الرِّوَايَتَانِ ثَابِتَتَيْنِ، وَلَعَلَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَكَلَّمَ بِهِمَا مَرَّتَيْنِ