فهرس الكتاب
ج / 11 ص -143- فَرَوَاهُمَا أَبُو هُرَيْرَةَ كَذَلِكَ، وَيَكُونُ ذِكْرُ الْغَنَمِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، وَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ مَقْصُورًا عَلَيْهِ لَمَا ذُكِرَ فِي الْإِبِلِ، وَقَدْ صَحَّ فِي الْإِبِلِ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَالْبَحْثُ الثَّانِي: إذَا ثَبَتَتْ الرِّوَايَتَانِ عَنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَمَفْهُومُ الرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا التَّقْيِيدُ لِمَ لَا يُخَصُّ بِهِ عُمُومُ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، كَمَا مَثَّلَهُ فِي قَوْلِهِ"إذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إلَى فَرْجِهِ"مَعَ قَوْلِهِ"مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ"حَيْثُ خَصُّوا عُمُومَ الثَّانِي بِمَفْهُومِ الْأَوَّلِ، فَلَا يَنْتَقِضُ بِغَيْرِ الْإِفْضَاءِ الَّذِي هُوَ الْمَسُّ بِبَاطِنِ الْكَفِّ. وَذَلِكَ هَهُنَا إمَّا مِنْ مَفْهُومِ الشَّرْطِ لِقَوْلِهِ:"مَنْ اشْتَرَى"وَإِمَّا: مِنْ مَفْهُومِ الصِّفَةِ لِقَوْلِهِ:"مَنْ اشْتَرَى مِنْ الْغَنَمِ"وَكِلَا الْمَفْهُومَيْنِ حُجَّةٌ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ: الشَّافِعِيُّ، وَالْمَفْهُومُ يُخَصُّ بِهِ الْعُمُومُ كَمَا قُلْنَا فِي الْمَسِّ.
والجواب: عَنْ هَذَا: أَنَّ جَانِبَ الْمَفْهُومِ هَهُنَا ضَعُفَ بِثُبُوتِ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ فِي الْإِبِلِ صَرِيحًا بِحَدِيثِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَيُفْهَمُ الْمَعْنَى مِنْ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْأَحَادِيثِ، فَإِنَّ مَبْنَاهَا عَلَى التَّعَبُّدِ، فَهَذَانِ الْأَمْرَانِ أَضْعَفَا اعْتِبَارَ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ:"مَنْ اشْتَرَى شَاةً"وَقَوْلُهُ:"مَنْ اشْتَرَى مِنْ الْغَنَمِ"وَالثَّانِي وَحْدَهُ: يُضْعِفُ اعْتِبَارَ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ"إذَا اشْتَرَى أَحَدُكُمْ نَعْجَةً أَوْ شَاةً"وَأَمَّا الظَّاهِرِيَّةُ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ قَائِلِينَ بِالْمَفْهُومِ، فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ، وَيَحْتَجُّونَ بِالْعُمُومِ لِثُبُوتِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ"وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا مُصَرَّاةً"شَرْطٌ لَا بُدَّ مِنْهُ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، مِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ مَشْهُورٌ فِي الْمَذْهَبِ: إنَّ الْخِيَارَ يَثْبُتُ وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي عَالِمًا بِالتَّصْرِيَةِ حِينَ الْعَقْدِ، وَيُعَبَّرُ عَنْ الْوَجْهَيْنِ: بِأَنَّ هَذَا الْخِيَارَ هَلْ هُوَ خِيَارُ عَيْبٍ أَوْ خِيَارٌ ثَابِتٌ بِالشَّرْعِ؟ وَبَنَاهُمَا الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّ الْخِيَارَ هَلْ يَمْتَدُّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ يَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ؟ فإن قلنا: بِالْأَوَّلِ ثَبَتَ مَعَ الْعِلْمِ، وَإِلَّا فَلَا، وَسَيَأْتِي الْوَجْهَانِ فِي كَوْنِهِ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ: وَمَنْ وَافَقَهُ: أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْفَوْرِ، فَالْبِنَاءُ حِينَئِذٍ مُتَّجَهٌ.
وَالْمُخْتَارُ: أَنْ يَمْتَدَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى تَقْرِيرُهُ، وَالْجُمْهُورُ هَهُنَا أَنَّ مَتَى عَلِمَ الْمُشْتَرِي بِالتَّصْرِيَةِ حَالَةَ الْعَقْدِ لَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ، وَأَنَّ ذَلِكَ خِيَارٌ ثَبَتَ لِأَجْلِ النَّقْصِ. وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّ الظَّاهِرِيَّةَ لَمْ يُثْبِتُوا الْخِيَارَ هَهُنَا فِي حَالَةِ الْعِلْمِ، وَيَحْتَاجُونَ إلَى دَلِيلٍ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّفْظَ مُتَأَوَّلٌ، وَمَا ادَّعَيْنَا نَحْنُ مِنْ ظُهُورِ الْمَعْنَى وَفَهْمِهِ هُمْ لَا يَعْتَبِرُونَهُ.
وَقَوْلُهُ": فَهُوَ بِالْخِيَارِ... إلَخْ"هَذَا هُوَ الْحُكْمُ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْفَصْلِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ فُتْيَاهُ، صَحَّ ذَلِكَ عَنْهُمَا وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَنَقَلَ الْعَبْدَرِيُّ الْقَوْلَ بِهِ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ. وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ مِنْ الْفُقَهَاءِ بَعْدَهُمْ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد وَأَبُو يُوسُفَ وَزُفَرُ وَمُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزِّنْجِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْحَدِيثِ.
وَاتَّفَقَ: جَمِيعُ أَصْحَابِنَا عَلَى ذَلِكَ تَبَعًا لِإِمَامِهِمْ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ، وَرُوِيَتْ