فهرس الكتاب
ج / 11 ص -144- رِوَايَةٌ غَرِيبَةٌ بِذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ، ذَكَرَ الْعُتْبِيُّ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ: صلى الله عليه وسلم"مَنْ ابْتَاعَ مُصَرَّاةً فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا إنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ"فَقَالَ: سَمِعْتُ ذَلِكَ وَلَيْسَ بِالثَّابِتِ وَلَا الْمُوَطَّأِ عَلَيْهِ، وَلَئِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إنَّ لَهُ اللَّبَنَ بِمَا عَلَفَ وَضَمِنَ قِيلَ لَهُ: نَرَاكَ تُضَعِّفُ الْحَدِيثَ فَقَالَ: كُلُّ شَيْءٍ يُوضَعُ مَوْضِعَهُ وَلَيْسَ بِالْمُوَطَّأِ وَلَا الثَّابِتِ وَقَدْ سَمِعْتُهُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذِهِ رِوَايَةٌ اللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهَا عَنْ مَالِكٍ وَمَا رَوَاهَا عَنْهُ إلَّا ثِقَةٌ، وَلَكِنَّهُ عِنْدِي اخْتِلَافٌ مِنْ رَأْيِهِ.
قلت: وَإِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَوَّلَ قَوْلُهُ"لَيْسَ بِالثَّابِتِ"عَلَى الْحُكْمِ لَا عَلَى الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ صَحِيحٌ عِنْدَهُ بِلَا إشْكَالٍ، وَقَدْ أَوْدَعَهُ الْمُوَطَّأَ الْمَشْهُورَ عَنْهُ خِلَافَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، فَالْقَوْلُ بِمُقْتَضَى الْحَدِيثِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: أَتَأْخُذُ بِهَذَا الْحَدِيثِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ مَالِكٌ: أَوَ لِأَحَدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ رَأْيٌ؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَنَا أَخَذْتُهُ، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي: أَرَى لِأَهْلِ الْبُلْدَانِ إذَا أُنْزِلَ بِهِمْ هَذَا أَنْ يُعْطُوا الصَّاعَ مِنْ عَيْشِهِمْ، قَالَ: وَأَهْلُ مِصْرَ عَيْشُهُمْ الْحِنْطَةُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ: إنَّ الصَّحِيحَ عَنْ مَالِكٍ مَا رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَإِنَّ رِوَايَةَ أَشْهَبَ مُنْكَرَةٌ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. أَمَّا الِاسْتِدْلَال فَدَلِيلُنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأَخْبَارُ الْمُتَقَدِّمَةُ وَهِيَ صَرِيحَةٌ فِي الْمَقْصُودِ، وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ مُسْتَقِيمٌ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْ الْأُصُولِ، عَلَى مَا سَنُبَيِّنُ فِي أَجْوِبَةِ الْمُخَالِفِينَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَمِنْ الْقِيَاسِ عَلَى مَا لَوْ بَاعَ طَاحُونَةً حُبِسَ مَاؤُهَا زَمَانًا ثُمَّ أَرْسَلَهُ حَالَةَ الْبَيْعِ، فَظَنَّ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ أَبَدًا كَذَلِكَ، ثُمَّ عَلِمَ، فَإِنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى ثُبُوتِ الْخِيَارِ.
وَاعْتَمَدَ الْمُخَالِفُونَ فِي الِاعْتِذَارِ عَنْ الْحَدِيثِ أُمُورًا ضَعِيفَةً تَرْجِعُ إلَى طَرِيقَتَيْنِ: طَرِيقَةُ الرَّدِّ وَطَرِيقَةُ التَّأْوِيلِ، الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذَا خَبَرٌ وَاحِدٌ مُخَالِفٌ لِقِيَاسٍ مِنْ الْأُصُولِ الْمَعْلُومَةِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ الْعَمَلُ بِهِ، أَمَّا كَوْنُهُ مُخَالِفًا لِقِيَاسِ الْأُصُولِ الْمَعْلُومَةِ فَمِنْ وُجُوهٍ.
أحدها: أَنَّهُ أَوْجَبَ غُرْمَ اللَّبَنِ مَعَ إمْكَانِ رَدِّهِ.
وَثَانِيهَا: أَنَّهُ أَوْجَبَ غُرْمَ قِيمَتِهِ مَعَ وُجُودِ مِثْلِهِ.
وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ جَعَلَ الْقِيمَةَ تَمْرًا، وَهِيَ إنَّمَا تَكُونُ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا.
وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ جَعَلَهَا مُقَدَّرَةً لَا تَزِيدُ بِزِيَادَةِ اللَّبَنِ وَلَا تَنْقُصُ بِنُقْصَانِهِ، وَمِنْ حُكْمِ الضَّمَانِ أَنْ يَخْتَلِفَ بِاخْتِلَافِ الْمَضْمُونِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ.
وَخَامِسُهَا: أَنَّ اللَّبَنَ إنْ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ الْعَقْدِ فَقَدْ ذَهَبَ جُزْءٌ مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ يَمْنَعُ الرَّدَّ، وَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ حَادِثًا بَعْدَ الشِّرَاءِ فَقَدْ حَدَثَ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي، فَلَا يَضْمَنُهُ وَإِنْ كَانَ مُخْتَلَطًا: فَمَا كَانَ مَوْجُودًا مَنَعَ الرَّدَّ، وَمَا حَدَثَ لَمْ يَجِبْ ضَمَانُهُ.