فهرس الكتاب

الصفحة 3823 من 4102

ج / 11 ص -146- نَاسِيًا يُفْطِرُ، وَلَكِنْ تُرِكَ الْقِيَاسُ بِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ"أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ"وَقَبِلَ أَبُو حَنِيفَةَ خَبَرَ أَبِي فَزَارَةَ فِي جَوَازِ التَّوَضُّؤِ بِالنَّبِيذِ، وَخَبَرَ زَاذَانَ فِي إبْطَالِ طَهَارَةِ الْمُصَلِّي بِالْقَهْقَهَةِ مَعَ أَنَّهُمَا إنَّمَا خَالَفَا قِيَاسَ الْأُصُولِ، وَرَدَّ خَبَرَ التَّصْرِيَةِ وَبَيْعَ الْعَرِيَّةِ؛ لِأَنَّهُمَا خَالَفَا أُصُولَ الْقِيَاسِ عِنْدَهُ. وَصَاحِبُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ يُنَازِعُهُ فِي ذَلِكَ وَيَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ مُخَالِفٌ لِقِيَاسِ الْأُصُولِ كَالْأَوَّلِ، وَمَنْ سَلَكَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ يُسَلِّمُ: أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ مُخَالِفٌ لِقِيَاسِ الْأُصُولِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُسَلِّمُ أَنَّ مُخَالَفَةَ الْأُصُولِ أَيْضًا قَادِحَةٌ، وَيَقُولُ: إنَّ مَا وَرَدَ النَّصُّ بِهِ فَهُوَ أَصْلٌ بِذَاتِهِ، لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ مُوَافَقَةُ الْأُصُولِ كَالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَالْغُرَّةِ فِي الْجَنِينِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ إبْطَالُ أَصْلٍ لِمُخَالَفَتِهِ أُصُولًا أُخْرَى بِأَوْلَى مِنْ إبْطَالِ تِلْكَ الْأُصُولِ لِمُخَالَفَتِهَا ذَلِكَ الْأَصْلَ.

وَالصَّوَابُ: الْعَمَلُ بِهَا جَمِيعًا، وَيُعْتَبَرُ كُلٌّ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ، وَصَاحِبُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ يَقُولُ: إنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مُخَالَفَةِ قِيَاسِ الْأُصُولِ وَمُخَالَفَةِ الْأُصُولِ، وَكِلَاهُمَا لَا يُوجِبُ الرَّدَّ، وَالْأَحَادِيثُ الَّتِي ذَكَرُوهَا فِي التَّصْرِيَةِ وَالْقَهْقَهَةِ وَغَيْرِهَا سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ، مَعَ أَنَّ خَبَرَ التَّصْرِيَةِ أَصَحُّ.

وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُصُولَ الْمُخْتَلَفَ فِي رَدِّ الْخَبَرِ بِهَا هِيَ الْمُسْتَنْبَطَةُ الَّتِي تَكُونُ فِي نَفْسِهَا مُحْتَمَلَةً، أما: الْأُصُولُ الْمَقْطُوعُ بِهَا فَنَصُّ الْكِتَابِ وَالتَّوَاتُرُ وَالْإِجْمَاعُ أَوْ الْأُصُولُ الَّتِي فِي مَعْنَاهَا كَتَحْرِيمِ الضَّرْبِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ1، فَإِذَا وَرَدَ الْخَبَرُ بِخِلَافِهِ رُدَّ، وَيُعْتَقَدُ أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَا يَقُولُ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ، هَكَذَا قَالَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ، فَهَذَانِ جَوَابَانِ إجْمَالِيَّانِ عَنْ دَعْوَى مُخَالَفَةِ الْأُصُولِ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَلَكَ فِي الْجَوَابِ عَنْ ذَلِكَ طَرِيقَ التَّفْضِيلِ، وَيَتَبَيَّنُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مُخَالِفًا لِقِيَاسِ الْأُصُولِ مِنْ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرُوهَا، بَلْ فِي الْأُصُولِ مَا يَشْهَدُ لَهُ وَيُعَاضِدُهُ.

أما: غُرْمُ الْقِيمَةِ مَعَ إمْكَانِ الرَّدِّ فَإِنَّ رَدَّ اللَّبَنِ فِي التَّصْرِيَةِ غَيْرُ مُمْكِنٍ لِوَجْهَيْنِ.

أحدهما: نَقْصُ قِيمَتِهِ وَذَهَابُ كَثِيرٍ مِنْ مَنَافِعِهِ بِطُولِ الْمُكْثِ.

والثاني: أَنَّ لَبَنَ التَّصْرِيَةِ قَدْ خَالَطَهُ مَا حَدَثَ فِي الضَّرْعِ بَعْدَهُ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي، فَلَمْ يُمْكِنْ رَدُّهُ مَعَ الْجَهْلِ بِمَا خَالَطَهُ.

وَعَنْ الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَالرَّابِعِ: وَهُوَ غَرَامَةُ الْقِيمَةِ مَعَ وُجُودِ الْمِثْلِ، وَكَوْنُهُ تَمْرًا وَكَوْنُهُ مُقَدَّرًا مَعَ اخْتِلَافِ قَدْرِهِ، إنْ كَانَ مَجْهُولَ الْقَدْرِ مَجْهُولَ الْوَصْفِ جَازَ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى بَدَلٍ مُقَدَّرٍ فِي الشَّرْعِ، مِنْ غَيْرِ مِثْلٍ وَلَا تَقْوِيمٍ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ، منها: الْحُرُّ يُضْمَنُ بِمِائَةٍ مِنْ الْإِبِلِ، ومنها: الْجَنِينُ يُضْمَنُ بِالْغُرَّةِ. وَيَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى، ومنها: الْمُقَدَّرَاتُ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ فِي الشِّجَاجِ كَالْمُوضِحَةِ2 مَعَ اخْتِلَافِهَا بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، ومنها: جَزَاءُ الصَّيْدِ فَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الضَّمَانِ أَنْ يَكُونَ بِالْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ مِنْ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 لقوله تعالى: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23] فتحريم التأفيف يجعل الضرب من باب أولى فيستفاد من تحريم التأفيف ما هو أشد منه وأكثر أذى.

2 الموضحة التي توضح ما تحتها من العظم. (المطيعي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت