فهرس الكتاب
ج / 11 ص -188- وَلَهُ مَرَاتِبُ فِي الظُّهُورِ كَتَجْعِيدِ الشَّعْرِ، فَيُلْحَقُ وَالْخَفَاءِ كَنُقْطَةٍ مِنْ الْمِدَادِ عَلَى ثَوْبِ الْعَبْدِ فَلَا يُلْحَقُ، وَبَيَّنَ ذَلِكَ فَفِيهِ خِلَافٌ.
وَنَذْكُرُ هَذِهِ الْمَرَاتِبَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي تَجْعِيدِ شَعْرِ الْجَارِيَةِ، وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ وَجْهَيْنِ فِي التَّصْرِيَةِ فِي غَيْرِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، فَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِعَيْبٍ والثاني: وَهُوَ قَوْلُ الْبَغْدَادِيِّينَ أَنَّ التَّصْرِيَةَ فِي كُلِّ الْحَيَوَانِ عَيْبٌ.
وأما: تَصْرِيَةُ الْجَارِيَةِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، فَقَالَ الْإِمَامُ: إنَّ الْخِلَافَ فِيهِ لَيْسَ مِنْ النَّمَطِ الْمَذْكُورِ، فَإِنَّ التَّلْبِيسَ بِالتَّصْرِيَةِ فِي الْجَارِيَةِ كَالتَّلْبِيسِ بِالتَّصْرِيَةِ فِي الْبَهِيمَةِ، وَإِنَّمَا نَشَأَ الْخِلَافُ مِنْ أَصْلٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي خِيَارِ الْخُلْفِ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى الشَّرْطِ وَالْفِعْلِ وَالْمُوهِمِ الْمُدَلِّسِ الْخُلْفُ بِالشَّرْطِ، وَهُوَ دُونَهُ وَيَقْوَى أَثَرُهُ فِيمَا يَظْهَرُ تَوَجُّهُ الْقَصْدِ إلَيْهِ فَأَمَّا مَا لَا يَتَوَجَّهُ الْقَصْدُ إلَيْهِ فَلَا يَظْهَرُ التَّلْبِيسُ فِيهِ، قَالَ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: هَذَا مَعَ التَّقْرِيبِ يَلْتَحِقُ بِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ مَوَاقِعِ الْخِلَافِ، يَعْنِي مِنْ الْمَرْتَبَةِ الَّتِي بَيْنَ الظُّهُورِ وَالْخَفَاءِ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، فَإِنَّ الشَّيْءَ إذَا كَانَ لَا يُقْصَدُ مِمَّا يُجْرَى مِنْ تَلْبِيسٍ فِيهِ وِفَاقًا لَا تَوَهُّمًا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَقْرُبَ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الضَّرْعَ وَالْإِخْلَافَ يُعْتَادُ مُعَايَنَتُهَا وَيُدْرَكُ الْفَرْقُ فِيهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الثَّدْيُ فِي بَنَاتِ آدَمَ، فَإِنَّ الْمُشَاهَدَةَ لَا تَتَعَلَّقُ غَالِبًا بِهِ وَغَرَضُنَا تَخْرِيجُ الْوِفَاقِ وَالْخِلَافِ عَلَى أُصُولٍ ضَابِطَةٍ. انْتَهَى.
وَمَقْصُودُ الْإِمَامِ أَنَّ الثَّدْيَ إذَا كَانَ لَا يُرَى غَالِبًا، وَلَا يَحْصُلُ فِيهِ قَصْدُ التَّغْرِيرِ غَالِبًا، فَلَمْ يَتَحَقَّقْ كَضَرْعِ النَّاقَةِ وَالشَّاةِ الَّذِي هُوَ مَرْئِيُّ الْغَالِبِ، وَمَقْصُودُهُ بِمَا قَالَهُ أَوَّلًا مِنْ أَنَّ لَبَنَ الْجَارِيَةِ غَيْرُ مَقْصُودٍ، أَيْ فِي الْغَالِبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ إلَّا عَلَى نُدُورٍ لِأَجْلِ الْحَضَانَةِ، فَلَا يُلْتَحَقُ بِمَا هُوَ مَقْصُودٌ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ وَلِذَلِكَ لَمْ يُغْتَرَّ بِرُؤْيَةِ الْحَلَمَةِ وَهُوَ الثَّدْيُ. إذَا عُرِفَ ذَلِكَ فَهَلْ التَّصْرِيَةُ فِي الْجَارِيَةِ عَيْبٌ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: إنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهَا عَيْبٌ لِأَمْرَيْنِ: أحدهما: الرَّغْبَةُ فِي رَضَاعِ الْوَلَدِ والثاني: أَنَّ كَثْرَةَ اللَّبَنِ تُحَسِّنُ الثَّدْيَ؛ لِأَنَّهُ يَعْلُو وَلَا يَسْتَرْسِلُ، هَكَذَا قَالَ أَبُو حَامِدٍ وَلَكِنَّ غَيْرَهُ مُصَرِّحٌ بِالْخِلَافِ فِي ذَلِكَ، وَشَبَّهُوهُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ بِمَا إذَا اشْتَرَى جَارِيَةً فَبَانَتْ أُخْتَهُ فَلَا خِيَارَ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ غَيْرُ مَقْصُودٍ.
إذَا عُرِفَ ذَلِكَ فَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَرْبَعَةَ أَوْجُهٍ أَصْلُهَا وَجْهَانِ وَقِيلَ قَوْلَانِ: أحدهما: أَنَّهُ يَرُدُّ مَعَهَا صَاعًا، لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ وَابْنِ سَلَمَةَ فِيمَا حَكَاهُ الْجُورِيُّ وَالْآخَرُ: يَرُدُّهَا وَلَا يَرُدُّ بَدَلَ اللَّبَنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَاضُ عَنْهُ فِي الْغَالِبِ، وَإِنْ كَانَ مُتَقَوِّمًا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ رحمه الله: إنَّهُ لَا يُقْصَدُ بِالْعِوَضِ، وَلَمْ يَرِدْ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ مُنْفَرِدًا؛ لِأَنَّ مَذْهَبَنَا جَوَازُ بَيْعِهِ. وَهَذَا الْوَجْهُ ذَكَرَهُ الصَّيْدَلَانِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى مَا حَكَاهُ الْإِمَامُ، وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ مَذْكُورٌ فِي الْحَاوِي وَفِيمَا عَلَّقَهُ سُلَيْمٌ عَنْ أَبِي حَامِدٍ.
والوجه الثاني: أَنَّهُ لَا يُرَدُّ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَفْصِ بْنِ الْوَكِيلِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْجُورِيِّ،