فهرس الكتاب
ج / 11 ص -276- صَحِيحٍ فَاسْتَغَلَّهُ زَمَانًا ثُمَّ عَثَرَ مِنْهُ عَلَى عَيْبٍ فَرَدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ، فَإِنَّ الْغَلَّةَ الَّتِي اسْتَغَلَّهَا مِنْ الْعَبْدِ وَهِيَ الْخَرَاجُ طَيِّبَةٌ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَوْ مَاتَ مَاتَ مِنْ مَالِهِ لِأَنَّهُ كَانَ فِي ضَمَانِهِ فَهَذَا مَعْنَى الْخَرَاجِ بِالضَّمَانِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ رحمه الله فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ غَلَطٌ لَا يَأْتِي عَلَى مَذْهَبِنَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَا حَكَيْتُهُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ يَقْتَضِي أَنَّ اسْمَ الْخَرَاجِ شَامِلٌ لِلْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ بِالنَّصِّ، وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ رحمه الله فِي الرِّسَالَةِ يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ قَاسَ مَا خَرَجَ مِنْ تَمْرِ حَائِطٍ وَوَلَدٍ عَلَى الْخَرَاجِ، وَأَنَّ الشَّاةَ الْمُصَرَّاةَ إذَا رَضِيَهَا ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ آخَرَ بِهَا بَعْدَ شَهْرٍ رَدَّهَا، وَرَدَّ بَدَلَ لَبَنِ التَّصْرِيَةِ مَعَهَا صَاعًا، وَأَمْسَكَ اللَّبَنَ الْحَادِثَ قِيَاسًا.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: قَالَ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ:"الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ"شُرَيْحٌ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو إِسْحَاقَ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ. قَالَ مَالِكٌ فِي أَصْوَافِ الْمَاشِيَةِ وَالشُّعُورِ كَذَلِكَ وَقَالَ فِي أَوْلَادِ الْمَاشِيَةِ يَرُدُّهَا مَعَ الْأُمَّهَاتِ1 وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو ثَوْرٍ عَنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ أَنَّهُمْ نَاقَضُوا فَقَالَ فِي الْمُشْتَرَى: إذَا كَانَتْ مَاشِيَةً فَحَلَبَهَا أَوْ نَخْلًا أَوْ شَجَرًا فَأَكَلَ مِنْ ثَمَرِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّ بِالْعَيْبِ وَيَرْجِعَ بِالْأَرْشِ، وَقَالَ فِي الدَّارِ وَالدَّابَّةِ وَالْغُلَامِ: الْغَلَّةُ لَهُ وَيَرُدُّ بِالْعَيْبِ. قلت: قَسَّمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْحَاصِلَ لِلْمُشْتَرِي مِنْ الْمَبِيعِ، إمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَوَلِّدٍ مِنْ الْعَيْنِ أَوْ مُتَوَلِّدًا مِنْهُمَا، فَالْأَوَّلُ إمَّا مَنَافِعُ كَاسْتِخْدَامِ الْعَبْدِ وَتِجَارَتِهِ وَمَا اعْتَادَ اصْطِيَادَهُ وَاحْتِطَابَهُ وَاحْتِشَاشَهُ وَقَبُولِ الْهَدِيَّةِ وَالْوَصِيَّةِ وَوِجْدَانِهِ رِكَازًا أَوْ لُقَطَةً، وَمَهْرِ الْجَارِيَةِ إذَا وُطِئَتْ بِالشُّبْهَةِ وَأُجْرَةِ الْمَبِيعِ إذَا أَجَّرَهُ وَأَخَذَ أُجْرَتَهُ، فَكُلُّ مَا حَصَلَ مِنْ ذَلِكَ نَادِرًا كَانَ أَوْ مُعْتَادًا لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَسْتَأْثِرَ بِهِ وَيُمْسِكَهُ وَيَرُدَّ الْمَبِيعَ وَحْدَهُ، وَيَسْتَرْجِعَ جَمِيعَ الثَّمَنِ قَوْلًا وَاحِدًا، لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ لِلْحَدِيثِ، هَكَذَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ.
وَعَنْ الرَّافِعِيِّ فِي تَلَفِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ أَنَّ الْمَوْهُوبَ وَالْمُوصَى بِهِ وَالرِّكَازَ وَالْكَسْبَ عَلَى الْخِلَافِ، وَسَيَأْتِي عَنْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ مَا يَقْتَضِي جَرَيَانَ الْخِلَافِ فِي الْمَهْرِ قَبْلَ الْقَبْضِ عِنْدَ التَّلَفِ، وَقَدْ حَكَى عَنْ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ رَدُّ غَلَّةِ الْعَبْدِ حَقَّهُ، وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: وَيَرُدُّ الْهِبَةَ الَّتِي وُهِبَهَا أَيْضًا. وَكَانَ شُبْهَتُهُمَا أَنَّ الْفَسْخَ يَرْفَعُ الْعَقْدَ مِنْ أَصْلِهِ، وَسَيَظْهَرُ الْجَوَابُ عَنْهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إنْ رَدَّ قَبْلَ الْقَبْضِ رَدَّ الْكَسْبَ وَالْغَلَّةَ وَجَمِيعَ مَا لَيْسَ مِنْ غَيْرِ الْأَصْلِ مَعَ الْأَصْلِ، وَإِنْ رَدَّ بَعْضَ الْقَبْضِ وَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ مِنْ الرَّدِّ، وَمَا أَظُنُّ أَحَدًا يَقُولُ: إنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ أُجْرَةِ اسْتِخْدَامِهِ لِلْعَبْدِ وَتِجَارَتِهِ لَهُ، وَسُكْنَى الدَّارِ وَمَرْكُوبِ الدَّابَّةِ وَنَحْوِهِ مِمَّا هِيَ مَنَافِعُ مَحْضَةٌ لَا أَعْيَانَ فِيهَا، وَلَوْ قَالَ: إنَّ الْفَسْخَ يَرْفَعُ الْعَقْدَ مِنْ أَصْلِهِ، وَوَجْهُ الِاعْتِذَارِ عَلَى ذَلِكَ لَعَلَّهُ يَتَعَرَّضُ لَهُ فِيمَا بَعْدُ عِنْدَ ذِكْرِ هَذَا الْأَصْلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سبق للإمام النووي ترجيح قول من أطلق الأات على الحيوان والأمهات في الإنسان. (المطيعي) .