فهرس الكتاب
ج / 1 ص -87- وَشِبْهِ ذَلِكَ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ وَلَيْسَ بِعَاقِلٍ مَنْ أَمْكَنَهُ دَرَجَةُ وَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ ثُمَّ فَوَّتَهَا، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رحمه الله - فِي رِسَالَتِهِ:"حَقٌّ عَلَى طَلَبَةِ الْعِلْمِ بُلُوغُ غَايَةِ جُهْدِهِمْ فِي الِاسْتِكْثَارِ مِنْ عِلْمِهِ، وَالصَّبْرُ عَلَى كُلِّ عَارِضٍ دُونَ طَلَبِهِ، وَإِخْلَاصُ النِّيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى فِي إدْرَاكِ عِلْمِهِ نَصًّا وَاسْتِنْبَاطًا، وَالرَّغْبَةُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي الْعَوْنِ عَلَيْهِ".
وَفِي"صحيح مسلم"عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ:"لَا يُسْتَطَاعُ الْعِلْمُ بِرَاحَةِ الْجِسْمِ"ذَكَرَهُ فِي أَوَائِلِ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ. قَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ: أَجْوَدُ أَوْقَاتِ الْحِفْظِ الْأَسْحَارُ، ثُمَّ نِصْفُ النَّهَارِ، ثُمَّ الْغَدَاةُ، وَحِفْظُ اللَّيْلِ أَنْفَعُ مِنْ حِفْظِ النَّهَارِ، وَوَقْتُ الْجُوعِ أَنْفَعُ مِنْ وَقْتِ الشِّبَعِ. قَالَ: وَأَجْوَدُ أَمَاكِنِ الْحِفْظِ الْغُرَفُ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ بَعُدَ عَنْ الْمُلْهِيَاتِ، وَقَالَ: وَلَيْسَ بِمَحْمُودٍ الْحِفْظُ بِحَضْرَةِ النَّبَاتِ، وَالْخُضْرَةِ، وَالْأَنْهَارِ، وَقَوَارِعِ الطُّرُقِ. لِأَنَّهَا تَمْنَعُ غَالِبًا خُلُوَّ الْقَلْبِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَصْبِرَ عَلَى جَفْوَةِ شَيْخِهِ، وَسُوءِ خُلُقِهِ، وَلَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ مُلَازَمَتِهِ وَاعْتِقَادِ كَمَالِهِ، وَيَتَأَوَّلَ لِأَفْعَالِهِ الَّتِي ظَاهِرُهَا الْفَسَادُ تَأْوِيلَاتٍ صَحِيحَةً، فَمَا يَعْجَزُ عَنْ ذَلِكَ إلَّا قَلِيلُ التَّوْفِيقِ. وَإِذَا جَفَاهُ الشَّيْخُ ابْتَدَأَ هُوَ بِالِاعْتِذَارِ، وَأَظْهَرَ أَنَّ الذَّنْبَ لَهُ، وَالْعَتْبَ عَلَيْهِ، فَذَلِكَ أَنْفَعُ لَهُ دِينًا وَدُنْيَا، وَأَبْقَى لِقَلْبِ شَيْخِهِ. وَقَدْ قَالُوا: مَنْ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى ذُلِّ التَّعَلُّمِ بَقِيَ عُمُرَهُ فِي عَمَايَةِ الْجَهَالَةِ، وَمَنْ صَبَرَ عَلَيْهِ آلَ أَمْرُهُ إلَى عِزِّ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا. وَمِنْهُ الْأَثَرُ الْمَشْهُورُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما:"ذُلِلْتُ طَالِبًا فَعُزِّزْتُ مَطْلُوبًا"
وَمِنْ آدَابِهِ الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ، وَأَنْ يَكُونَ هِمَّتُهُ عَالِيَةً، فَلَا يَرْضَى بِالْيَسِيرِ مَعَ إمْكَانِ الْكَثِيرِ، وَأَنْ لَا يُسَوِّفَ فِي اشْتِغَالِهِ، وَلَا يُؤَخِّرُ تَحْصِيلَ فَائِدَةٍ وَإِنْ قَلَّتْ إذَا تَمَكَّنَ مِنْهَا، وَإِنْ أَمِنَ حُصُولَهَا بَعْدَ سَاعَةٍ؛ لِأَنَّ لِلتَّأْخِيرِ آفَاتٍ، وَلِأَنَّهُ فِي الزَّمَنِ الثَّانِي يُحَصِّلُ غَيْرَهَا، وَعَنْ الرَّبِيعِ قَالَ:"لَمْ أَرَ الشَّافِعِيَّ آكِلًا بِنَهَارٍ، وَلَا نَائِمًا بِلَيْلٍ، لِاهْتِمَامِهِ بِالتَّصْنِيفِ، وَلَا يُحَمِّلُ نَفْسَهُ مَا لَا تُطِيقُ مَخَافَةَ الْمَلَلِ، وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ، وَإِذَا جَاءَ مَجْلِسَ الشَّيْخِ فَلَمْ يَجِدْهُ انْتَظَرَهُ وَلَا يُفَوِّتُ"