فهرس الكتاب
ج / 2 ص -400- قال الحاكم في آخر كتاب المستدرك على الصحيحين: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم قال البيهقي: وروي موقوفا على ابن عباس من قوله وكذا ذكره البخاري في صحيحه في كتاب الجنائز تعليقا عن ابن عباس:"المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا"ورواية المرفوع مقدمة؛ لأن فيها زيادة علم كما سبق تقريره في مقدمة الكتاب. وقد ثبت في"الصحيحين"عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن المؤمن لا ينجس"وهذا عام يتناول الحياة والموت.
أما حكم المسألة: فالسمك والجراد إذا ماتا طاهران بالنصوص والإجماع قال الله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ"البحر"وَطَعَامُهُ} [المائدة: من الآية96] وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ"البحر"لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} [النحل: من الآية14] وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في البحر:"هو الطهور ماؤه الحل ميتته"وقد سبق بيانه وفوائده في أول الكتاب وعن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال:"غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل معه الجراد"رواه البخاري ومسلم، وسواء عندنا الذي مات بالاصطياد أو حتف نفسه والطافي من السمك وغير الطافي وسواء قطع رأس الجرادة أم لا وكذا باقي ميتات"البحر"إذا قلنا بالأصح: إن الجميع حلال فميتتها طاهرة وسيأتي تفصيلها في بابها إن شاء الله تعالى.
وأما الآدمي هل ينجس بالموت أم لا؟ فيه هذان القولان الصحيح منهما: أنه لا ينجس اتفق الأصحاب على تصحيحه ودليله الأحاديث السابقة والمعنى الذي ذكره، وعجب إرسال المصنف القولين من غير بيان الراجح منهما في مثل هذه المسألة التي تدعو الحاجة إليها، وقد ذكر البندنيجي في كتاب الجنائز وصاحب"الشامل"في باب الآنية أن القول بالطهارة هو نصه في"الأم"وبالنجاسة هو نصه في"البويطي"، وسواء في جريان القولين المسلم والكافر. وأما قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: من الآية28] فليس المراد نجاسة الأعيان والأبدان بل نجاسة المعنى والاعتقاد، ولهذا ربط النبي صلى الله عليه وسلم الأسير الكافر في المسجد وقد أباح الله تعالى طعام أهل الكتاب والله أعلم.
وأما باقي الميتات فنجسة ودليلها الإجماع، واستثنى صاحب"الحاوي"وغيره فقالوا: الميتات نجسة إلا خمسة أنواع: السمك والجراد والآدمي والصيد إذا قتله سهم أو كلب معلم أرسله أهل للذكاة، والجنين إذا خرج ميتا بعد ذكاة أمه وزاد القفال فحكم بطهارة ما ليس له نفس سائلة في قول كما حكيناه عنه في باب المياه وحكى صاحب"الحاوي"والشاشي عنه وجهين في نجاسة الضفدع بالموت ولا يرد شيء من هذا على المصنف. أما الصيد والجنين فليسا منه بل جعل الشرع هذا ذكاتهما ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح"ذكاة الجنين ذكاة أمه"فصرح بأنه مذكى شرعا وإن لم تنله السكين مباشرة، وأما ما زاده القفال وصاحب"الحاوي"فضعيف انفردا به عن الجمهور والصحيح النجاسة كما أوضحناه هناك وبالله التوفيق.
وأما قول المصنف: يحرم الأكل من غير ضرر وكان نجسا - فينتقض بالمخاط والمني وجلد الميتة إذا دبغ فإنها محرمة الأكل على الأصح من غير ضرر وليست نجسة، فكان ينبغي أن يقول: من غير ضر ولا استقذار، وقوله في السمك والجراد: يحل أكلها يعني من غير ضرورة ولا حاجة وإلا فالميتة يحل لها في المخمصة، ويحل أكل الدواء النجس للحاجة وإن لم يكن ضرورة، والله أعلم.