فهرس الكتاب

الصفحة 846 من 4102

ج / 2 ص -402- وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة كما صرحت به الآية الكريمة، وأقرب ما يقال ما ذكره الغزالي أنه يحكم بنجاستها تغليظا وزجرا عنها قياسا على الكلب وما ولغ فيه والله أعلم.

واعلم أنه لا فرق في نجاسة الخمر بين الخمر المحترمة وغيرها، وكذا لو استحال باطن حبات العنب خمرا فإنه نجس، وحكى إمام الحرمين والغزالي وغيرهما وجها ضعيفا أن الخمر المحترمة طاهرة ووجها أن باطن حبات العنب المستحيل طاهرة، وهما شاذان والصواب النجاسة.

وأما النبيذ فقسمان مسكر وغيره، فالمسكر نجس عندنا وعند جمهور العلماء وشربه حرام وله حكم الخمر في التنجيس والتحريم ووجوب الحد، وقال أبو حنيفة وطائفة قليلة: هو طاهر ويحل شربه، وفي رواية عنه يجوز الوضوء به في السفر، وقد سبق في باب المياه بيان مذهبنا ومذهبه، والدلائل من الطرفين مستقصاة، وقد أثبتت الأحاديث الصحيحة الذي يقتضي مجموعها الاستفاضة أو التواتر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"كل مسكر خمر وكل مسكر حرام"وهذه الألفاظ مروية في"الصحيحين"من طرق كثيرة وحكى صاحب"البيان"وجها أن النبيذ المسكر طاهر لاختلاف العلماء في إباحته، وهذا الوجه شاذ في المذهب، وليس هو بشيء. وأما القسم الثاني من النبيذ فهو ما لم يشتد ولم يصر مسكرا، وذلك كالماء الذي وضع فيه حبات تمر أو زبيب أو مشمش أو عسل أو نحوها فصار حلوا، وهذا القسم طاهر بالإجماع يجوز شربه وبيعه، وسائر التصرفات فيه، وقد تظاهرت الأحاديث في"الصحيحين"من طرق متكاثرة على طهارته وجواز شربه. ثم إن مذهبنا ومذهب الجمهور جواز شربه ما لم يصر مسكرا وإن جاوز ثلاثة أيام، وقال أحمد رحمه الله: لا يجوز بعد ثلاثة أيام.

واحتج له بحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبذ له من أول الليل فيشربه إذا أصبح يومه ذلك والليلة التي تجيء والغد والليلة الأخرى والغد إلى العصر فإن بقي شيء سقى الخادم أو أمر به فصب"رواه مسلم وفي رواية لمسلم وغيره"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقع له الزبيب فيشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الثالثة، ثم يأمر به فيسقى أو يهراق"وفي رواية لمسلم"ينبذ له الزبيب في السقاء فيشربه يومه والغد وبعد الغد فإذا كان مساء الثالثة شربه وسقاه فإن فضل شيء أهراقه". ودليلنا حديث بريدة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في سقاء فانتبذوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكرا"رواه مسلم، فهذا عام يتناول ما فوق ثلاثة أيام ولم يثبت نهي في الزيادة فوجب القول بإباحة ما لم يصر مسكرا وإن زاد على الثلاث، والجواب عن الروايات التي احتج بها لأحمد أنه ليس فيها دليل على تحريم بعد الثلاثة بل فيها دليل على أنه ليس بحرام بعد ثلاثة؛ لأنه"كان يسقيه الخادم"، ولو كان حراما لم يسقه، وإنما معنى الحديث: أنه صلى الله عليه وسلم كان يشربه ما لم يصر مسكرا فإذا مضت ثلاثة أيام أو نحوها امتنع من شربه ثم إن كان بعد ذلك قد صار مسكرا أمر بإراقته؛ لأنه صار نجسا محرما ولا يسقيه الخادم؛ لأنه حرام على الخادم كما هو حرام على غيره، وإن كان لم يصر مسكرا سقاه الخادم ولا يريقه؛ لأنه حلال ومال من الأموال المحترمة، ولا يجوز إضاعتها، وإنما ترك صلى الله عليه وسلم شربه، والحالة هذه تنزها واحتياطا كما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل الضب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت