فهرس الكتاب
[26] الحجة الثانية لهم: قالوا: الحس دل على وجود المتحيز، وعلى وجود الصفات القائمة به. وأما القسم الثالث، فلا يمكن إثباته، إلا لأجل افتقار أحد هذين القسمين إليه. لأن ما لا يكون العلم بوجوده بديهيا، لم يجز المصير إلى إثباته، إلا إذا قضى العقل باحتياج ما علم وجوده إليه. إلا أنا لما اعترفنا بأن الإله تعالى غير متحيز، ولا حال في المتحيز، كان وجوده كافيا في وجود هذه المتحيزات، وفي وجود الأعراض القائمة بها. وإذا كان كذلك، فلم يبق على وجود موجود [آخر [1] ] غير متحيز، ولا حال في المتحيز: دليل. وما لا دليل عليه أصلا، كان القول بإثباته موجبا للجهالات.
الحجة الثالثة: وهي مختصة بنفي العقول والنفوس قالوا: هذه العقول والنفوس التي تثبتها الفلاسفة. يزعمون: أنها قديمة [فهي غير متحيزة عن ذات الله تعالى، لا بالزمان ولا بالمكان، ولا بالوجود والعدم. لأن التقدير تقدير أنها قديمة [2] ] وإذا كان كذلك، امتنع امتياز بعضها عن بعض في نفس الأمر، وهذا يقتضي اتحاد الاثنين، وهو محال.
واعلم: أن هذه الوجوه ضعيفة: أما الحجة الأولى: فالجواب عنها: أن المساواة في كونه غير متحيز، ولا حال في المتحيز: مساواة في الصفة السلبية، لا توجب المساواة في تمام الماهية.
والدليل عليه وجوه:
الأول: إن كل حقيقتين، فلا بد وأن يشتركا في سلب كل ما عداهما عنهما، وذلك برهان قاطع على أن المساواة في السلوب، لا توجب المساواة في تمام الماهية.
الثاني: إن كل نوعين داخلين تحت جنس واحد، فهما مشتركان في طبيعة ذلك الجنس، ولم يلزم من حصول تلك المشاركة، حصول المماثلة المطلقة.
(1) من (ل)
(2) سقط (م)