فهرس الكتاب

الصفحة 1584 من 2479

[46] والدليل القاطع عليه: أنه إذا كان الإنسان عبارة عن جوهر النفس، كان البدن مركبا له، ومحلا لتصرفه. فكان دخول بدنه في الدار وخروجه منها، جاريا مجرى دخول فرسه في الدار، وخروجه منها. لكن كل عاقل يدرك تفرقة [بديهية [1] ] بين قوله: دخلت في الدار وخرجت منها، وبين قوله: دخل فرسي الدار، وخرج منها.

ولما كان القول بأن النفس جوهر مجرد، يوجب زوال هذه التفرقة المعلومة بالبديهة، وجب أن يكون القول بإثبات النفس: باطلا.

الحجة الثالثة: لو كانت النفس عبارة عن جوهر مجرد، له تعلق بهذا البدن بالتصرف والتدبير، لم يبعد في أول [2] العقل أن ينقطع تعلق هذه النفس بهذا البدن، وتصير متعلقة بالبدن الثاني، وبالعكس. وعلى هذا التقدير، فإذا رأينا بدن «زيد» ثم رأيناه بعد ذلك وجب أن نبقى شاكين في أن هذا الإنسان. هل هو الإنسان الأول؟ لأن بتقدير أن يتبدل المدبر الأول لهذا البدن، بمدبر آخر، فقد تبدل ذلك الإنسان بغيره. كما أنا لما رأينا بيتا وجوزنا أن ملك ذلك البيت قد انتقل إلى مالك آخر، فحينئذ لا نقطع عند رؤية ذلك البيت في المرة الثانية، بأن مالكه هو المالك الأول. بل نبقى شاكين فيه. فكذا هاهنا وجب أن يبقى الشك في أن هذا الإنسان الذي نراه الآن، هل هو الإنسان الذي رأيناه أولا؟

ولما لم يحصل هذا الشك لأحد من العقلاء، وثبت: أن على تقدير أن يكون الإنسان شيئا آخر، غير هذا البدن، وجب حصول هذا الشك، علمنا: أن القول بأن الإنسان شيء غير هذا البدن، قول باطل.

فإن قالوا: التجويز الذي ذكرتم قائم على كل التقديرات، لاحتمال أن الشخص الأول فني، وحدث شخص آخر يساوي الأول في الصورة والخلقة.

(1) من (طا) ، (ل) .

(2) ثانيا (م) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت