فهرس الكتاب
[86] معنى له إلا مجرد هذا الحضور. وكل ذلك قد أبطلناه. وبينا: أن الإدراك عبارة عن حالة نسبية إضافية. فإن حصلت لذات الإنسان مع ذاتها، تلك الإضافة، صار الإنسان عالما بذاته المخصوصة، وإلا بقي غافلا عنها [وأيضا [1] ] فهذه الحجة موقوفة على مقدمة ثالثة، وهي: البحث في كون الشيء حاضرا عند نفسه. وقد بحثنا عن هذه المقدمة عند حكاية دلائل الفلاسفة على كونه تعالى عالما بذاته المخصوصة.
وأيضا: فهذه الحجة مع ركاكة مقدماتها: منقوضة. وذلك لأنا إذا أخذنا حجرا أو خشبا. ونقول: إنه جوهر قائم بنفسه، فذاته حاضرة عند ذاته. فيجب في هذه الجمادات أن تكون عاقلة بذواتها. وإنه محال. فإن قالوا: إن الحجرية صورة قائمة في المادة، فلا تكون هذه الصورة حاضرة عند نفسها، بل تكون حاضرة عند مادتها. فنقول: إنه يمتنع أن تكون كل مادة حاصلة في مادة أخرى إلى غير النهاية، بل لا بد من الاعتراف بحصول جوهر قائم بنفسه في هذا الحجر وهذا الخشب: هو المادة الأصلية. وإذا كان كذلك، فتلك المادة تكون قائمة بنفسها، فتكون ذاته حاضرة عند ذاته، فوجب كونها عالمة بنفسها، فيلزم في هذه الجمادات: أن تكون عالمة بنفسها، شاعرة بذواتها. ومعلوم أنه باطل. وأيضا: فجميع الحيوانات مدركة لذواتها، فلو كان الشيء مدركا لذاته يقتضي أن تكون ذاته جوهرا مجردا، لزم أن تكون نفوس الحيوانات أسرها جواهر مجردة. والقوم لا يقولون به. فهذا هو وجه السؤال على هذه الحجة والبينة.
الحجة السادسة: اعلم: أن «أبا البركات البغدادي» زعم أن الدليل القوي في هذه المسألة، هو هذا الذي نذكره. فقال: «لا شك في أن الواحد منا يمكنه أن يتخيل بحرا من الزئبق، وجبلا من الياقوت، ويمكنه أن يتخيل شموسا وأقمارا [كثيرة [2] ] فهذه الصورة الخيالية، إما أن تكون معدومة أو
(1) سقط (ل) .
(2) من (ل) .