فهرس الكتاب

الصفحة 1656 من 2479

[120] فوجب الجزم بأن النفس هي شيء غير البدن، وغير كل واحد من أجزائه وهو المطلوب.

واعلم: أن الاعتبار المذكور يختص بالقوة النظرية، وهو أيضا قائم في رياضة الإنسان إذا كان مواظبا على الأكل والشرب والتفرج والتنزه بالجسمانيات، فإنه تختل قوته العقلية، وتفسد، ولا يبقى معه منها شيء يلتفت إليه، أو يعتبر به فإن من المشهور في المثل: «البطنة تذهب بالفطنة» أما إذا راض الإنسان نفسه بالامتناع عن المأكولات، والانقطاع عن اللذات الجسمانية، وجلس في بيت مظلم بحيث لا يبصر شيئا ولا يسمع شيئا، وتكلف إزالة الصور المحسوسة والمثل الجسمانية عن الفكر والخيال، وواظب على هذه الحالة مدة [مديدة [1] ] فإنه تصير نفسه في غاية الكمال، وبدنه في غاية الضعف والنحافة. وهذا الاعتبار يدل على أن كل ما كان سببا لسعادة النفس، فهو بعينه يصير سببا لشقاوة البدن. وكل ما كان سببا لشقاوة النفس فهو بعينه سبب لسعادة البدن. وذلك يدل على أن النفس شيء غير البدن، وغير أجزاء هذا البدن وأعضائه.

وهاهنا وجه ثالث يناسب الوجهين الأولين، وهو أن النوم بالنسبة إلى الجسد كالموت وبالنسبة إلى النفس كالحياة وكاليقظة. وذلك لأن الإنسان في حال اليقظة، تكون نفسه كالنائمة عن عالم الغيب، الغافلة عن أحوال ذلك العالم، المعرضة عنها، فإذا نام الإنسان بحسب جسده، فحينئذ تحصل اليقظة [للنفس [2] ] فتتصل بعالم الغيب، وتقف على بعض أحوال ذلك العالم، وهو المنامات الصادقة، الدالة على أحوال المغيبات، فإذا استيقظت فقد حصلت اليقظة للبدن، وصارت النفس نائمة منقطعة عن عالم الغيب.

فثبت بهذه الوجوه الثلاثة: أن حياة النفس، وسعادتها، ويقظتها،

(1) من (م) .

(2) سقط (طا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت