فهرس الكتاب

الصفحة 1661 من 2479

[125] وكان القول ببقاء النفس بعد موت [1] البدن باطلا، لكان الإنسان أخس من جميع الحيوانات. فالدليل عليه: أن الإنسان إنما يتميز عن سائر الحيوانات بقوة العقل والعقل يوجب الشقاء في اللذات الجسمانية، ويوجب السعادة في الكمالات العقلية، المنتفع بها بعد الموت. والدليل عليه: أن العاقل يحمله عقله على التفكر في الماضي والحاضر والمستقبل.

أما التفكر في الماضي. فكل ما مضى من الأمور [2] المكروهة. فإذا تذكره، وقع في قبله حسرة شديدة، بسبب حصولها في الماضي. وكل ما مضى من الأحوال الطيبة، فإذا تذكره وقع في قلبه حسرة شديدة بسبب فوتها وزوالها.

وأما التفكر في الأحوال الحاضرة. فهذا إما أن يكون في خير أو شر. فإن كان في الخير، فالعقل يوجب الغم من وجوه:

الأول: إنه يخاف زوالها فيحصل له ألم الخوف في الحال.

الثاني: إنه لا راحة إلا وفوقها مرتبة أخرى أعلى منها، فإذا عرف العقل ذلك، اشتاق إلى المرتبة القوية، واستحقر المقدار الحاصل، فيحصل الغم والألم.

الثالث: إن كل ما يحصل، فإنه يزول الالتذاذ به، وحصوله يقوي الرغبة في الأحوال المستقبلة. فهو يوجب الخوف الشديد، والفزع التام. لأنه لا يعرف أنها تحصل على وفق المراد، أو على خلاف المراد. مثبت بما ذكرناه:

أن العقل يوجب حصول هذه الراحات الجسمانية، منغصة مقرونة بالخوف والمكروه وألم القلب. وأما سائر الحيوانات، فإنها لما كانت خالية عن العقل، كان انتفاعها باللذات الجسدانية، خاليا عن التنغيص الحاصل بسبب العقل، فوجب أن يكون انتفاعها بهذه اللذات [الجسدانية [3] ] أكمل من انتفاع الناس بها.

(1) الموت باطلا (م) .

(2) المدركات (م) .

(3) سقط (ط) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت