فهرس الكتاب

الصفحة 1680 من 2479

[146] للثقب. فإن كون هذه الآلات صالحة لهذه الأعمال، لا يوجب حصول ملكات هذه الأعمال في ذات النجار. فثبت بما ذكرنا: أن اختلاف نفوس الناس في الرغبة والنفرة في بعض الأشياء دون البعض، لا يمكن أن يكون لأجل اختلاف الأمزجة البدنية والأعضاء الآلية فوجب أن يكون ذلك الاختلاف في جواهرها وماهياتها.

ولا يمكن أن يقال: إن تلك الرغبة والنفرة، إنما حصلت لأجل تعليم المعلمين، وإرشاد الأساتذة، ومجالسة الأقران، ومخالطة الأصحاب. وذلك لأنا نشاهد كثيرا: أن الأمر يقع في هذه الأحوال بالضد، فقد يكون الإنسان بحيث يكون أبواه من أهل الشر والفساد والدعارة، ويتربى فيما بينهم ويخالط تلك الطوائف، ولا يلقى أحدا من أهل الخير، ثم إنه في أول النشوء يميل إلى الخير والطاعة، ويظهر منه أعمال عجيبة من أعمال الخير والفهم. وقد يكون بالضد منه. واعتبر ذلك بنوح عليه السلام وولده، وإبراهيم عليه السلام ووالده. وإذا كان هذا المعنى مشاهدا، علمنا: أن حصول هذه الأحوال لا تمكن إحالته إلى هذا السبب.

الحجة الرابعة: إنا نرى الصبيان الصغار يختلفون في الأخلاق والأفعال، فقد يكون الواحد منهم رحيما حبيبا سخيا مطيعا، سلس القياد. ومنهم من يكون شريرا بخيلا، نماما، شرها، وقحا، شكس الأخلاق. والسبب لهذه الأحوال المختلفة: إما جواهر النفوس، وإما اختلاف أمزجة الأبدان. وإما الأسباب الخارجية، وهي التعلم من المعلمين [والاستفادة [1] ] من القرناء والشركاء. والقسمان الأخيران باطلان، فبقي الأول. وهو المطلوب.

وإنما قلنا إنه لا يمكن أن يكون ذلك بسبب الأمزجة المختلفة، وذلك لأن الفاعل هو النفس، والأعضاء المختلفة البدنية آلات للنفس في الفعل، والآلة منفعلة قابلة. والمنفعل القابل من حيث هو كذلك، لا يوجب تغير حال الفاعل. نعم ربما ظن أن الآلة المعينة إذا كانت لا تصلح إلا للعمل الواحد،

(1) من (م) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت