[176] وأما المقدمة الثالثة: وهي أنه لما كان الدماغ منبتا لآلة الحس والحركة الإرادية، وجب أن يكون معدنا لهذه المعاني. فالدليل عليه: أنه لما كانت قوتا الحس والحركة، إنما تصلان [من الدماغ [1] ] إلى جميع أجزاء البدن، بواسطة هذه الأعصاب، وجب أن يكون المنبع والمعدن لهذه المعاني: هو الدماغ.
وهذا الكلام أحسن دلائل «جالينوس» على إثبات مذهبه.
واعلم: أن أصحاب «أرسطاطاليس» أجابوا عن هذه الحجة على مقامين [2] :
المقام الأول:[لا نسلم: أن الدماغ هو المنبت للعصب. وأما دليل «جالينوس» عليه، وهو أن الأعصاب كثيرة وقوية عند الدماغ، وقليلة وصغيرة عند القلب. فقد أجابوا عنه من وجهين:
الأول [3] ]: قالوا: إن المقدمة الواحدة لا تنتج المقصود. بل هذه المقدمة التي ذكرتموها لا بد من ضم مقدمة أخرى إليها. وهي أن يقال:
[القوة [4] ] والكثرة لا يحصلان إلا عند المبدأ، [والقلة [5] ] والصغر، لا يحصلان إلا عند البعد من المبدأ.
إلا أن هذه المقدمة غير برهانية، بل هي منقوضة بأمور ثلاثة: أولها: إن العصبة المجوفة الحاملة للقوة الباصرة، تكون دقيقة جدا عند المنبت، فإذا دخلت النقرة التي تكون فيها الحدقة، غلظت تلك العصبة واتسعت، وهذا نقض على تلك المقدمة التي عول عليها «جالينوس» .
وثانيها: إن الحبة التي يتولد منها ساق الشجرة، تكون أصغر بكثير من ساق الشجرة. فلم لا يجوز أيضا أن يقال: إن العصبة الصغيرة التي في
(1) من (م) .
(2) بوجهين (م) .
(3) سقط (م، ط) واعلم: أن الوجه الثاني أوله: سلمنا أن إلخ.
(4) القلة (م) .
(5) من (ل) ، (طا) .