فهرس الكتاب
[196] فلا نسلم، لأنها لما كانت موصوفة بالحياة، وجب أن يحصل لها إدراك وشعور ببعض الأشياء، ولعلها تلتذ بذلك القدر من الإدراك، وحينئذ لا تكون معطلة. ألا ترى أنا نجد البق والبعوض وحيوانات أخرى أصغر منها بكثير موجودة. ولا نقول: بأنها لما قلت انتفاعاتها ولذاتها، كانت معطلة. بل نقول: إنها لما فازت بذلك القدر الحقير من الخير والمنفعة، خرجت عن أن تكون معطلة. فلم لا يجوز أن يكون الأمر كذلك؟
الاعتراض الثاني: لم لا يجوز أن يقال: إنها قبل الأبدان، كانت متعلقة بجزء معين من السموات، أو بجزء من أجزاء العناصر، كانت تنال الخيرات واللذات بسبب تلك الآلات؟.
الاعتراض الثالث: أليس من مذهبكم: أن نفوس الأجنة، إذا فارقت أبدانها، فإنها تبقى أبد الآباد من غير أن يحصل لها لذة وخير ومنفعة؟ وذلك يبطل قولكم: إنه لا معطل في الطبيعة.
الاعتراض الرابع: سلمنا أن تلك النفوس كانت معطلة. فلم قلتم:
إنه لا معطل في الطبيعة؟ فإن هذه المقدمة ذكروها، وما رأيت أحدا منهم قوّاها بشبهة، فضلا عن حجة.
واعلم: أنه لم يصل إلينا كلام آخر في إثبات حدوث النفوس البشرية.
ويمكن ذكر دليلين آخرين فيه، إلا أنهما يوجبان القول. بحدوث الأجسام.
الوجه الأول: أن نقول: لا شك أن هذه النفوس قابلة للصفات الحادثة، فإنها تصير عالمة بأشياء، بعد ما أنها ما كانت عالمة بها، وتصير موصوفة [بأخلاق، بعد أنها ما كانت موصوفة [1] ] بها. إذا ثبت هذا فنقول:
إن قابلية الصفات الحادثة، يجب أن يكون من لوازم ذواتها. وقابلية الصفات الحادثة حادثة، فيلزم أن يقال: إنها لا تخلو عن الحوادث، وكل ما لا يخلو عن
(1) سقط (م) ، (ط) .