فهرس الكتاب

الصفحة 1745 من 2479

[213] فهذا تفصيل قول من يقول: الإنسان عبارة عن الجسم الموصوف بالمزاج المخصوص.

وأما الذين يقولون: الإنسان عبارة عن جوهر مجرد مغاير لهذا البدن.

فالكل أطبقوا على أن النفس باقية بعد موت البدن [ولما بينا بالدليل: أن النفس جوهر مجرد، كان قولنا: النفس باقية بعد موت البدن [1] ] مفرعا على هذا الأصل [والله أعلم [2] .

واعلم: أن هذه المسألة لما كانت أهم المهمات، لا جرم عزمنا على أن نذكر فيها كل ما يمكن ذكره. سواء كان من الوجوه البرهانية، أو من الوجوه الإقناعية:

فالحجة الأولى على بقاء النفس بعد موت البدن: أن نقول: قد ثبت أن النفس الناطقة: جوهر ليس بجسم ولا في جسم البتة. ويمتنع أن يحصل بينه وبين الأجسام قرب أو بعد أو مناسبة. وليس بينها وبين هذا البدن، إلا أن هذا البدن محل تصرف ذلك الجوهر في منزل عمله ودار مملكته. كما أن الرجل المعين يكون ساكنا في دار ومتصرفا فيها، فإذا خرجت تلك الدار وخرجت عن الصلاح والسداد، لم يلزم موت ذلك المتصرف وبطلانه. وهذا يجري مجرى العلوم الضرورية. والشك والشبهة إنما يتولد بسبب أن الوهم يسبق إلى أن ذلك الشيء حال في هذا البدن، وساري فيه. فيسبق حينئذ إلى الوهم أنه يجب موتها بموت البدن.

وأما إن قدرنا جوهرا مجردا ليس بينه وبين هذا البدن مناسبة، لا بالقرب ولا بالبعد، ولا بوجه من وجوه المناسبة. إلا من وجه واحد، وهو أن ذلك البدن كان دار مملكة ذلك الجوهر ومحل تصرفه، ثم إنه خربت هذه الدار.

فالعلم الضروري حاصل بأن هذا القدر لا يقتضي عدم ذلك الجوهر، ولا يغير حالا من أحواله [3] فهذا لبيان أنه لا يلزم من موت البدن موته.

(1) سقط (ل) .

(2) سقط (م) ، (ط) .

(3) أجزائه (طا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت