فهرس الكتاب

الصفحة 1824 من 2479

[299] الحجة الرابعة: إن هذه اللذات الحسية، إذا بحث عنها، فهي في الحقيقة ليست لذات. بل حاصلها يرجع إلى دفع الآلام.

والدليل عليه: أن الإنسان كلما كان أكثر جوعا، كان التذاذه بالأكل أكمل، وكلما كان الجوع أقل، كان التذاذه بالأكل أقل. وأيضا: إذا طال عهد الإنسان بالوقوع، اجتمع المني الكثير في أوعية المني، فحصلت في تلك الأوعية دغدغة [1] شديدة، وتمدد وثقل، وكلما كانت هذه الأحوال المؤذية أكثر، كانت اللذة الحاصلة عند اندفاع ذلك المني أقوى. ولهذا السبب فإن لذة الوقاع في حق من طال عهده الوقاع، تكون أكمل منها في حق من قرب عهده به. فثبت: أن هذه الأحوال، التي يظن أنها لذات جسمانية، فهي في الحقيقة ليست إلا دفع الآلام. وهكذا القول في اللذة الحاصلة بسبب لبس الثياب، فإنه لا حاصل لتلك اللذة، إلا دفع ألم الحر والبرد. وإذا ثبت أنه لا حاصل لهذه اللذات، إلا دفع الآلام. فنقول: ظهر أنه ليس فيها سعادة. لأن الحالة السابقة هي حصول الألم، والحالة الحاضرة عدم الألم. وهذا العدم كان حاصلا عند العدم الأصلي. فثبت: أن هذه الأحوال ليست سعادات ولا كمالات البتة.

الحجة الخامسة: إن الإنسان من حيث يأكل ويشرب ويجامع ويؤذي، يشارك سائر الحيوانات. وإنما يمتاز عنها بالإنسانية، وهي مانعة من تكميل تلك الأحوال، وموجبة لنقصانها ولتقليلها. فلو كانت هذه الأحوال عين السعادة، لكان الإنسان من حيث إنه إنسان، ناقصا شقيا خسيسا. ولما حكمت البديهة بفساد هذا التالي، ثبت فساد المقدم.

الحجة السادسة: إن العلم الضروري حاصل بأن بهجة الملائكة وسعاداتها أكمل وأشرف من بهجة الحمار وسعادته. ومن بهجة الديدان والذبان وسائر الحشرات. ثم لا نزاع: أن الملائكة ليس لها لذة الأكل والشرب

(1) دعدعة (ط) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت