فهرس الكتاب
[301] تحصيل هذه اللذات بالخزي والنكال، وعلى المستغرق فيها بالسعادة والكمال.
وفساد التالي، يدل على فساد المقدم.
الحجة الثامنة: كل شيء يكون في نفسه كمالا وسعادة، وجب أن لا يستحي من إظهاره. ويتبجح بفعله. ونحن لا نعلم بالضرورة: أن أحدا من العقلاء لا يفتخر بكثرة الأكل، ولا بكثرة المباشرة، ولا بكونه مستغرق الوقت والزمان في هذه الأعمال، [وأيضا: [1] ] فالناس لا يقدمون على الوقاع إلا في الخلوة، وأما عند حضور الناس فلا. فإن أحدا من العقلاء لا يجد من نفسه تجويز الإقدام عليه، وذلك يدل على أنه تقرر في عقول الخلق أنه فعل خسيس، وعمل قبيح، فيجب إخفاؤه عن العيون. وأيضا: فقد جرت عادة السفهاء بأنه لا يشتم بعضهم بعضا إلا بذكر ألفاظ الوقاع، وذلك يدل على أنه مرتبة خسيسة، ودرجة قبيحة. وأيضا: لو أن واحدا من السفهاء أخذ يحكي عند حضور الجمع العظيم: أن فلانا كيف يواقع زوجته؟ فإن ذلك الرجل يستحي من ذلك الكلام، ويتأذى من ذلك القائل. وكل هذا يدل على أن ذلك الفعل ليس من الكمالات والسعادات، بل هو عمل باطل وفعل قبيح.
الحجة التاسعة: كل فرس أو حمار، كان ميله إلى الأكل والشرب والإيذاء أكثر، وكان قبوله للرياضة أقل: كانت قيمته أقل. وكل حيوان كان أقل رغبة في الأكل والشرب، وكان أسرع قبولا للرياضة: كانت قيمته أكثر.
ألا ترى أن الفرس الذي يقبل الرياضة والعدو الشديد، فإنه يشترى بثمن رفيع. وكل فرس لا يقبل هذه الرياضة، فإنه يوضع على ظهره الإكاف، ويسوى بينه وبين الحمار، ولا يشترى إلا بالثمن القليل. فلما كانت الحيوانات التي هي غير ناطقة، لا تظهر فضائلها بسبب الأكل والشرب والوقاع، بل بسبب تقليلها منه، وبسبب قبول الأدب وحسن الخدمة لمولاه، فما ظنك بالحيوان الناطق العاقل.
الحجة العاشرة: إن سكان أطراف الأرض، لما لم تكمل معارفهم
(1) سقط (ط) .