فهرس الكتاب
[326] قالت الفلاسفة: «لم لا يجوز أن يكون فاعل تلك الكلمات، وتلك الألفاظ: هو القوة المفكرة، المنتقلة من صفة إلى صفة، ومن حالة إلى حالة؟
ونقول: هذا الكلام طال عهد الإنسان بسماعه ولهذا السبب تمكن في قلوبهم».
وهو باطل قطعا ويدل عليه وجهان: الأول: إنا بينا في المقالات المتقدمة: أن الموصوف بجميع أنواع الإدراكات [والمتصرف [1] ] بجميع أنواع التصرفات [في هذا البدن يجب أن يكون شيئا [2] ] واحدا. وهو الإنسان. وإذا كان كذلك، امتنع أن يقال:
الفكر عمل شيئا آخر سوى الإنسان. لأنا قد دللنا على أن الإنسان لم يفعل هذه الألفاظ، لأنه لا يريدها. بل يكرهها. فبطل هذا الكلام.
الثاني: إن هذا الذي سميتموه بالقوة المفكرة. إما أن يكون هو الإنسان، وإما أن يكون صفة من صفاته وحالة من أحواله، وإما أن يكون فاعلا مستقلا بنفسه، قد تقدم على الأفعال باختيار نفسه. والأول باطل. لأنا بينا أن الإنسان لا يريد هذه الحالة. والثاني باطل. لأن الصفة القائمة بذات الإنسان، لا يمكنها أن تقدم على فعل، على خلاف إرادة الإنسان. ولما بطل هذان القسمان، ثبت أن الفاعل لتلك الكلمات فاعلا آخر غير الإنسان، وغير مجموع صفاته. فنقول: ذلك الفاعل لا يمكنه أن يأتي بتلك الكلمات، إلا إذا كان عالما قادرا. فإنه إن لم يكن عالما بأحوال تلك الكلمات، يمتنع منه القصد إلى تكوينها. لأن القصد إلى ما يكون معلوما محال. فذلك الفاعل عالم بحقائق الأشياء، وقادر على تكوين تلك الكلمات. وهو شيء مغاير لذات الإنسان، ولمجموع صفاته. فذلك الشيء إما أن يكون عرضا حالا في جسم، وإما أن يكون جوهرا قائما بذاته. والأول باطل. لأن العلم الضروري حاصل بأن العرض القائم بالغير، لا يكون حيا عالما قادرا فاعلا للأفعال الشاقة. ولما بطل
(1) سقط (م) ، (ط) .
(2) سقط (م) ، (ط) .