فهرس الكتاب
[343] السموات: أن بحركاتها تنتظم مصالح هذا العالم. وهي المبادي لحدوث الصور والأعراض في هذا العالم. ثم قد ثبت في أول العقل: أن كل كمال حصل في معلول عن علة، فتلك العلة بذلك الكمال أولى من ذلك المعلول.
ولا شك أن الحياة والإدراك والعلوم كمالات، فوجب أن تكون الأجرام الفلكية أولى بهذه الكمالات من هذه الأجسام الرخوة الخسيسة. والذي يزيل الشبهة عن هذا الباب: أن من مارس علم الأحكام، ووقف على أسرارها: علم أنه متى وقع كوكب من الكواكب المناسبة لحالة من الأحوال، في موضع قوي مناسب من طالع مولد إنسان. فإن ذلك الإنسان يصير وحيد عصره، وفريد دهره في تلك الحالة. فإذا كان هذا التعلق البعيد لتلك الكواكب بهذه الأجرام الرخوة، يوجب الكمال. فالقول بأن تلك الذوات المقدسة النيرة الطاهرة الشريفة، أولى بهذه الكمالات مما ينادى [بصحته [1] ] صريح العقل، وأصل الفطرة.
الحجة السابعة: قال صاحب كتاب «إخوان الصفاء» : «إنه سبحانه وتعالى ما ترك قعور البحور مع شدة ملوحتها إلا وخلق فيها أجناسا من الحيوان، وأنواعا من السمك والحيتان، وما ترك جو الهواء فارغا خاليا، حتى خلق فيه أجناسا من الطير يسبح فيها، كما يسبح السمك في الماء. وما ترك هذه المفاوز اليابسة، وهذه الجبال الحجرية الصلدة، حتى خلق فيها أجناسا من الوحوش والحشرات، وما ترك شطوط الأنهار وبطون الأودية، حتى ملأها من الحيوانات الخسيسة، كالبق والبعوض والديدان والذباب. وما ترك لب النبات وثمر الشجر، وداخل الحب، إلا وملأها من الحيوانات. فكيف يليق بحكمته أن يترك هذه الأفلاك المضيئة المشرقة الواسعة، مع شدة مناسبتها للحياة:
خالية عن الحياة والإدراك والشعور: بل الحق هو ما ذكره صاحب الشريعة الحقة. وهو قوله عليه السلام: «أطّت السماء، أطا، وحق لها أن تئط. فما منها موضع شبر إلا وفيه ملك قائم أو قاعد أو راكع أو ساجد» .
(1) من (م) .