فهرس الكتاب

الصفحة 1876 من 2479

[358] القول الثاني: إنه ثبت: أنه لا بداية لحركات الأفلاك، وثبت أيضا:

أن انقطاع تلك الحركات محال، وأن رجوعها عن مجاريها إلى جانب آخر محال، وإذا ثبت هذا فنقول: إنه لا جزء من أجزاء الحركة الفلكية، إلا وقد حصل قبله جزء آخر من الحركة. وانتهاء الفلك بذلك الجزء السابق من الحركة، إلى ذلك الحد المعين: أوجب حركته من ذلك الحد، إلى حد آخر بعده. وإذا كان كذلك، فكل جزء من أجزاء الفلك، إنما حصل لأن الجزء المتقدم عليه، أوجب وقوعه على ذلك الوجه [وعلى هذا التقدير فيكون وقوع هذه الحركة على هذا الوجه [1] ] أمرا واجب الوجود لذاته [2] والواجب لذاته لا يجوز تعليله بعلة منفصلة، فامتنع تعليل كون الفلك متحركا بعلة منفصلة.

والقول الثالث: إن الفلك قديم المادة، محدث الصورة. ومادته إنما هي الأجزاء التي لا تتجزأ. وتلك الذرات والهباءات. وعلى هذا القول، ففي سبب حركته بالاستدارة قولان:

الأول: إن تلك الأجزاء. كان بعضها حارا، وبعضها باردا، فلما اختلطت وامتزجت اختلاطا محكما، بحيث تعذر انفصال بعضها عن البعض، صار ذلك سببا لحصول الحركة الدورية. ومثاله: أن الذهب إذا ذوب في البوتقة. فإنه بعد الذوب يستدير على نفسه. والسبب فيه: أن الجزء الذي يلاصق البوتقة تقوى سخونته جدا. ولأجل قوة السخونة يصعد، والجزء المرتفع تضعف سخونته، فيميل إلى أسفل. وأجزاء الذهب متلاحمة متصلة، التحاما واتصالا، يمنع انفكاك بعضها عن البعض. ولما طلب بعض تلك الأجزاء الصعود، وبعضها الهبوط، وتعذر انفصال البعض عن البعض، صار ذلك سببا لحصول الحركة الدورية في جرم الذهب الذائب. فلا يمتنع أن يكون سبب استدارة الفلك هذه الحالة، أو ما يشبهها ويناسبها.

(1) سقط (م) .

(2) أمرا واجبا لذاته (م) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت