فهرس الكتاب

الصفحة 1877 من 2479

[359] والقول الثاني: قول «ديمقراطيس» وذلك لأن مذهبه أن هذه الهباءات والذرات كانت متحركة، حركة دائمة في الخلاء الذي لا نهاية له. ثم اتفق في بعضها أن تصادمت على وجه خاص، وتعارضت في حركاتها وتمانعت. فتولد جرم الفلك لهذا السبب. ثم اتفق لبعض تلك الأجزاء أن كانت قوة حركاتها إلى بعض الجوانب، أقوى من قوة الأجزاء التي تمانعها وتعارضها، فلا جرم تحرك جسم الفلك إلى ذلك الجانب، فاستدار على ذلك الوجه الخاص. ثم إن المغلوب لا يعود غالبا، والمقهور لا يصير قاهرا. فلا جرم بقي الفلك على الحركة الخاصة إلى آخر الأبد.

فهذه الوجوه الأربعة مفرعة على قول من يقول: حركات الأفلاك طبيعية.

وأما القسم الثاني: وهو أن يقال: إن حركاتها إرادية. فالقائلون بهذا القول فريقان:

منهم من قال: إنه ليس للأفلاك غرض معين في اختيار هذه الحركات.

ومنهم من أثبت لها غرضا معينا.

أما الفريق الأول: فتقرير قولهم: إن الأجرام الفلكية بسائط وجميع النقط المفترضة فيها متشابهة في تمام الحقيقة، ومتساوية في تمام الماهية. ومتى كان الأمر كذلك، وجب أن يكون وقوع تلك الحركات على جميع المدارات المختلفة التي لا نهاية لها: ممكنا. إذ لو أمكن البعض، وامتنع البعض، لزم أن تكون الأشياء المتماثلة في تمام الماهية، مختلفة في اللوازم والآثار. وذلك محال. فثبت: أن الكل [1] ممكن وأنه ليس للبعض رجحان على البعض لا في أصل الإمكان ولا في السهولة، ولا في أثر من الآثار البتة. ومتى تشابهت الأفعال، وتساوت على الوجه الذي ذكرناه لم يمتنع أن يختار الفاعل المختار أحد تلك الأقسام دون الأخرى لا لعلة. ومثاله: أن الجائع إذا خير بين أكل

(1) التمثل (ط) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت