فهرس الكتاب

الصفحة 1878 من 2479

[360] رغيفين، والعطشان إذا خير بين شرب قدحين، فإنه يختار أحدهما دون الآخر لا لمرجح. وكذلك النفس التي للفلك الأعظم، ولسائر الأفلاك، اختار كل واحد منها نوعا معينا من الحركة، لا لغرض ولا لمرجح البتة.

والقول الثاني: قول من يقول: إن للفلك في حركته غرضا معينا معتبرا. وهؤلاء فرق ثلاث: منهم من يقول: ذلك الغرض: كمالات عالية، يستفيدها من المبادي العالية لنفسه. ومنهم من يقول: ذلك الغرض عمارة هذا العالم، وحصول نظامه. ومنهم من جمع بين الطرفين فقال: أصل حركاتها لأجل استفادة الكمالات من المبادي العالية. وأما جهات حركاتها ومقادير بطئها وسرعتها، فلأجل مصالح هذا العالم العنصري.

وذكروا لهذا مثالا. وهو: أن رجلا كريم النفس، كثير الخير. إذا أراد الذهاب إلى موضع لمهم له فيه. وكان إلى ذلك الموضع طريقان متساويان بالنسبة إليه من كل الوجوه. إلا أن ذهابه في أحد الطريقين، يوجب حصول المنافع الكثيرة لطائفة من الضعفاء، والعاجزين، واندفاع الشرور الكثيرة عنهم. وذهابه في الطريق الثاني يوجب بطلان تلك الخيرات والمصالح، فإن كونه في ذاته خيرا رحيما، يقتضي أن يختار الطريق الأنفع للضعفاء، ويترك الطريق العاري عن النفع.

فهذه أقوال ثلاثة مضبوطة أما القول الأول: وهو أن الغرض للفلك من هذه الحركات استفادة الكمالات وتحصيل السعادات.

فأقول: التقسيم الصحيح في هذا المقام. أن يقال: تلك الكمالات إما أن تكون جسمانية أو نفسانية. أما القسم الأول فهو المختار عند الحكماء المتأخرين. ك «أبي نصر الفارابي» و «أبي علي بن سينا» . وذلك لأنهم قالوا:

إن جوهر الفلك كامل في ذاته وفي جميع صفاته. ولم يبق فيه شيء بالقوة، إلا وقد خرج إلى الفعل إلا في إيوانه وأوضاعه. فإن خروج كلها من القوة إلى الفعل محال. وإلا لزم حصول الجسم الواحد دفعة واحدة، في أمكنة كثيرة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت