فهرس الكتاب

الصفحة 1907 من 2479

[389] الأصنام كانت موجودة قبل مجيء نوح عليه السلام. بدليل: أنه تعالى حكى عن كفار زمانه قولهم: لا تذرُنّ آلِهتكُمْ. ولا تذرُنّ ودًّا، ولا سُواعًا، ولا يغُوث، ويعُوق، ونسْرًا [1] .

ثم إن ذلك الدين بقي من ذلك الوقت مستمرا في أكثر أطراف الأرض، إلى هذا الزمان. وذلك يدل على أنه ليس مرادهم منه: اعتقادهم في أن مبر العالم: هو ذلك الخشب والحجر والصورة المفرغة في القالب، بل لهم فيه تأويلات.

التأويل الأول: الأعظم الأقوى أنّ المنجمين وأصحاب الأحكام:

زعموا أن المدبر لهذا العالم: هو الكواكب السبعة السيارة. لأجل أنهم شاهدوا أحوال هذا العالم مرتبطة باختلاف أحوال الشمس والقمر. فاعتقدوا إلهية هذه الكواكب. ثم إنها تغيب عن العيون تارة لأجل غروبها، وتارة لأجل أن الغيم يحجب عن رؤيتها، وتارة لأجل أن سائر الكواكب تختفي، بسبب وقوعها [2] في شعاع الشمس. فلأجل هذا السبب اتخذوا أصناما على صور تلك الكواكب، وزينوها بالأشياء المناسبة لتلك الكواكب ثم واظبوا على عبادتها.

فهذا هو السبب الأعظم للاشتغال بعبادة الأصنام. ومما يدل عليه: أنه تعالى لما حكى عن الخليل عليه السلام، أن قال لأبيه آذر: أتتخذ أصناما آلهة؟ إني أراك وقومك في ضلال مبين [3] . ثم إنه بعد ذكر هذا الكلام: اشتغل بإقامة الدلالة على أن لا يجوز اتخاذ الكواكب والقمر والشمس آلهة. وذلك من أصدق الدلائل الدالة على أن دين عبدة الأوثان: فرع هذا المذهب.

التأويل الثاني: ما نقلنا عن الهند وغيرهم. أنهم قالوا: ثبت بالاستقراء وبالوحي أن لكل طرف من أطراف الأرض ولكل طائفة من طوائف الناس:

روح فلكي، يدبرهم، ويعتني بإصلاح أحوالهم. وإذا كان الأمر كذلك كان

(1) نوح 23.

(2) قوة (م) .

(3) الأنعام 74.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت