فهرس الكتاب
[392] قال: الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد. فحينئذ لا يمتنع كونه سبحانه مبدأ لجميع الممكنات. والعلم بأن هذا الموجود: إله واجب التعظيم: حاصل قطعا. أما سائر الأسباب، فوجودها غير معلوم بالبرهان [وبتقدير كونها موجودة، لكن لا يعلم كونها مؤثرة في هذا العالم بالبرهان [1] ] وإذا ثبت هذا، كان الاشتغال بعبادتها إعراضا عن المعلوم، وإقبالا على ما لم يثبت وجوده بالبرهان [فهذا معنى قوله تعالى: ومنْ يدْعُ مع اللّهِ إِلهًا آخر لا بُرْهان لهُ بِهِ فإِنّما حِسابُهُ عِنْد ربِّهِ [2] ]. ثم قال: إِنّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُون أي من جحد المعلوم، وأثبت غير المعلوم: لم يفلح البتة. ثم قال بعده: وقُلْ ربِّ اغْفِرْ وارْحمْ. وأنْت خيْرُ الرّاحِمِين وهذا فيه لطيفة عجيبة: لأن المقصود بالعبادات [3] : إما دفع المؤذي، وإما الفوز بالراحة. ودفع المؤذي أهم من الوصول إلى الراحة، فيكون مقدما عليه في الرتبة. ودفع المؤذي هو المغفرة والفوز بالراحة هو الرحمة. فلهذا قال: وقُلْ ربِّ اغْفِرْ وارْحمْ فقدم طلب المغفرة والفوز بالراحة، على طلب الرحمة. ثم قال: وأنْت خيْرُ الرّاحِمِين.
وفيه دقيقة أخرى: وهي أن هذه الأرواح الفلكية بتقدير كونها قادرة على دفع البلاء، وإيصال الآلاء والنعماء. إلا أن قدرة المبدأ الأول عليه: أكمل وأفضل. لأنها محتاجة إلى واجب الوجود [لذاته [4] ] في ذواتها، وفي صفاتها والمحتاج إليه أكمل وأفضل وأعلى وأقوى من المحتاج. وبتقدير ثبوت هذه الأرواح وتقدير كونها مدبرة لهذا العالم، إلا أن الرجوع إلى واجب الوجود في طلب هذه الأشياء، أولى من الرجوع إلى تلك الأرواح. لأنه فوق الكل في الكمال والرحمة والفضل والجود والكرم. ولهذا ختم الكلام بقوله: وأنْت خيْرُ الرّاحِمِين.
(1) سقط (م) ، (ط) .
(2) من (طا، ل) .
(3) بالذات (م) .
(4) من (م) .