فهرس الكتاب
[391] وأيضا إن ملك أرضا بمقدار جريب فإذا أراد أن يسقيها، فاللائق به أن يطلب شعبة صغيرة، تنفصل من جدول صغير، ويجريها إلى تلك الأريضة.
فأما إن أراد إجراء [النهر العظيم الذي في [1] ] الوادي إلى تلك الأريضة، غرقت وفسدت. فكيف إذا قال: إني أجري إليها البحر الأعظم. فكذا هاهنا روح البشر، تجري مجرى الأريضة الصغيرة. فإذا أراد سقيها ببحار أنوار جلال الله تعالى، غرقت. بل الأولى أن يغلق فكره بروح من الأرواح الفلكية حتى يمكنه الانتفاع بها.
الحجة الثالثة: إنه لما كان المتولي لرعاية مصالح ذلك الطرف، هو ذلك الروح المعين، كان الإعراض عن طاعته، إعراضا عن المنعم. فيستحق المقت والحرمان.
واعلم: أني لما سمعت هذه الوجوه من القوم قلت: إنها كلمات لا بأس بها في ظاهر الأمر، إلا أن فيها عيبا عظيما، وفحشا تاما. فقالوا لي: وما ذلك العيب؟ فقلت: إن وجود موجود واجب الوجود لذاته، يدبر هذا العالم:
معلوم. وأما إثبات هذه الأرواح، وكونها مدبرة لهذا الطرف من الأرض فهو غير معلوم بل أمر مظنون غير متأكد بحجة قوية، وبرهان تام. وإذا كان كذلك، فالاشتغال بعبادة هذه الأرواح: إعراض عن المعبود الذي علم كونه معبودا، وإقبال على عبادة شيء لم يعلم وجوده البتة. والعقل يقتضي الإعراض عن المجهول، والإقبال على المعلوم. فأما ضده فهو على مضادة مقتضى العقل.
وهذا هو الدليل المذكور في القرآن، في قوله تعالى: ومنْ يدْعُ مع اللّهِ إِلهًا آخر، لا بُرْهان لهُ بِهِ. فإِنّما حِسابُهُ عِنْد ربِّهِ. إِنّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُون [2] وتقريره: إن وجود الإله: معلوم لأنه لما دل الدليل على وجوب انتهاء الممكنات إلى موجود واجب الوجود لذاته فحينئذ حصل الجزم بوجوده. ولما فسد دليل من
(1) العبارة ملفقة من (م، ل) .
(2) المؤمنون 117.