فهرس الكتاب

الصفحة 1969 من 2479

[27] بالطريق الأدون الأنقص؟

وأما القسم الثاني: هو أن يقال: إنه إنما كلفه لأجل المنافع المستقبلة.

فنقول: هذا أيضا ممتنع. وبيانه من وجهين [1] :

الأول: وهو: أنه لما علم من أحوال الكفار والفساق أنهم لا يتوصلون بهذا التكليف إلا لاستحقاق العذاب الشديد، والآلام العظيمة. كان القول بأنه إنما كلفهم للفوز بالمنافع: كلام متناقض.

الثاني: وهو أنه لو أراد بهم ذلك، لوجب أن يفرغهم من متاعب الدنيا وآلامها، وأن يظهر لهم الدلائل الواضحة، في أن الحق هو ذلك. ولما لم يفعل بهم ذلك، بل أحوجهم إلى الأشياء الكثيرة، وعلم أن تلك الحاجات تحملهم على المعاصي، ثم سلط عليهم الشهوات والشبهات، وسلط عليهم شياطين الإنس والجن. ومن فعل بالعبد الضعيف الذي يقل عقله، وتضعف قدرته هذه المعاملة، ثم يزعم: أنه أراد به الخير، والفوز بالرحمة، كانت العقول تنادي عليه: بأنه ما قصد إلا الإساءة إليه والإيذاء. والكلام في هذه المباحث مفرع على تحسين العقل وتقبيحه، فثبت: أن هذين [2] الوجهين ينافيان القول بجواز التكليف.

الحجة الرابعة: إنه تعالى كان قادرا على أن يخلق الكل في الجنة، وأن يوصلهم إلى الخيرات والدرجات، وأن يحميهم عن منازل الآفات والمخافات.

فلو أراد بهم خيرا لخلقهم على هذه الصفة ولما لم يفعل ذلك، بل سلط عليهم الشهوات والشبهات، وملأ العالم من الشياطين. علمنا أنه ما أراد بهم خيرا.

وإذا كان الأمر كذلك، امتنع أن يقال: إنه كلفهم لأجل التعريض للمصالح.

أما القول الأول: وهو أنه كلفهم لا لغرض ومصحلة، فهذا عبث، والعبث قبيح في العقل، ونحن إنما نتكلم الآن على تسليم أن يكون تحسين العقل وتقبيحه معتبرا. فيثبت بهذه البيانات: أن على تقدير أن يكون تحسين

(1) من وجوه: الأصل.

(2) هذه الوجوه تنافي القبول (ت) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت