فهرس الكتاب
[26] الحجة الثالثة: لو حسن التكليف، لحسن إما لأجل النعم السالفة أو لأجل النعم اللاحقة، وهو الثواب الذي يحصل بعد ذلك، أو لا لواحد من هذين القسمين. والكل باطل.
أما بطلان القسم الأول: فالدليل عليه من وجوه: الأول: وهو أن كل من أوصل نعمة قليلة إلى إنسان ضعيف، ثم إنه يكلف ذلك الضعيف بالأفعال الشاقة، فإن كل أحد يذمه، ويقول: إنه أعطاه شيئا قليلا ثم إنه يعذبه عليه، ويكلفه بتلك التكاليف الشاقة.
ونحن في هذا القسم إنما نتكلم على تقدير أن يكون تحسين العقل وتقبيحه: معتبرا، بل نقول: هاهنا حصل في هذه الصورة شيء يوجب الزيادة في القبح، وذلك لأن إله العالم غني عن جميع العالمين، فتكليف العبد بهذه الأفعال الشاقة، مع أنه لا فائدة له في شيء منها [والعبد مضار [1] ] يكون في غاية القبح.
الثاني: إن كل نعمة أوصلها إلى العبد [فقد خلق في العبد [2] ] قبل تلك النعمة الاحتياج إليها، والشهوة لها. وذلك ضرر. فإذا أعطى ذلك الشيء فحينئذ يتقابل الضرر السالف، بالنعمة الحاصلة. وذلك لا يوجب النعمة.
هذا إذا أعطى كل ما أحوج إليها، وقد حصل عنده من الحاجة بحر، وقطرة من المحتاج إليه. ومثل هذه المعاملة لا توجب الشكر.
الثالث: إن من أنعم على ضعيف بنعمة، ثم يتركه مع نفسه، ولا يكلفه عملا شاقا [في مقابلة تلك النعمة السالفة [3] ] كان ذلك أدخل في المدح والثناء، والجود والكرم، مما إذا أتبع ذلك الإنعام بالتكاليف الشاقة. وأكرم الأكرمين هو الله رب العالمين. فكيف يليق بجوده وكرمه، أن يعامل العبد
(1) زيادة القبح (ل) ، (طا) .
(2) والعبد مضار: سقط (ت) والعبد أعظم المضار (ل) ، (طا) .
(3) سقط (ت) .