فهرس الكتاب

الصفحة 2049 من 2479

[111] أنه ليس كل من سمع ذلك التذكير: انتفع به [1] ] فإن النفوس الناطقة:

مختلفة، فبعضها ينتفع بذلك التذكير، وبعضها لا ينتفع به، وبعضها يضره سماع ذلك التذكير، لأن سماعه يثير في قلبه دواعي الحسد والغيظ والغضب والإصرار على الجهل. ثم لما نبه تعالى على أن المستمع لذلك التذكير قد ينتفع به، وقد لا ينتفع به، أتبعه ببيان خاصية كل واحد من هذين القسمين، فبين أن صفة من ينتفع بهذا التذكير، هو أن يكون الخوف غالبا على قلبه، والخشية مستولية على روحه. ولأجل ذلك الخوف: يطلب زاد المعاد، فلا جرم أنه ينتفع بإرشاد هذا المحق. وأما الذي لا ينتفع بهذا التذكير ويتباعد عنه، ويجتنب من القرب منه، فهو النفس الموصوفة بكونها أشقى النفوس، فإنها تبقى في عناء هذا العالم، وبعد الموت تقع في نيران الحسرة والوحشة. ولما بين هذا، أزاله في صفته، فقال: ثُمّ لا يمُوتُ فِيها، ولا يحْيى وإنما قال: ثُمّ لا يمُوتُ فِيها لما ثبت أن النفس لا تموت بموت البدن، وإنما قال: ولا يحْيى لأنها وإن بقيت حية، لكنها بقيت في العذاب. والموت خير من هذه الحياة، فلهذا قال: ثُمّ لا يمُوتُ فِيها ولا يحْيى ولما بين من لا ينتفع بذلك التذكير، بين كمال حال من ينتفع به، فقال: قدْ أفْلح منْ تزكّى وذلك لأن المقصود من تعليم الأنبياء، وتذكيرهم وإرشادهم: أمران: أحدهما: إزالة الأخلاق الذميمة الجسمانية [2] عن النفس. والثاني: تحصيل الصفات الحميدة الروحانية في النفس، ولما كانت إزالة ما لا ينبغي مقدمة على تحصيل ما ينبغي، لا جرم ابتدأ بقوله تعالى: قدْ أفْلح منْ تزكّى والمراد منه: تزكية النفس وتطهيرها عن الصفات المذمومة، ولما ذكر ذلك، أتبعه بتحصيل ما ينبغي، وذلك إما في القوة النظرية، أو في القوة العملية. ورئيس المعارف النظرية:

ذكر الله تعالى ومعرفته، ورئيس الأعمال الفاضلة: خدمة الله تعالى. فلهذا قال: وذكر اسْم ربِّهِ وهو إشارة إلى استسعاد الإنسان في تكميل [قوته

(1) سقط (ت) .

(2) الروحانية (ل) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت