فهرس الكتاب
[119] وأما القسم الثاني من المباحث المتعلقة بالأديان: ما يتعلق باليوم الحاضر. وذلك هو أن يكون العبد مشتغل الزمان بخدمة المعبود. وتلك الخدمة، إما أن تعتبر في القلب، وهو بالمعارف والعلوم. وإما بالبدن، وهو الإتيان بالطاعات البدنية. وإما بالمال، وهو الزكوات والصدقات. ولما كان جمهور الخلق محتاجين إلى مرشدين يرشدونهم إلى هذه المعارف، وهم الأنبياء، لا جرم وجب على الأنبياء أن يوجبوا عليهم الإيمان بالأنبياء والرسل.
والقسم الثالث من المباحث المتعلقة بالأديان: ما يتعلق باليوم المستقبل، وهو معرفة الآخرة، وأحوال ما بعد الموت.
فهذه الأقسام الثلاثة: أهم للأنبياء والرسل في أن يشتغلوا بتعريف أحوالها. وتفصيل آثارها.
واعلم: أن المهمات على قسمين: أحدهما: إزالة ما لا ينبغي.
والثاني: تحصيل ما ينبغي. والأول متقدم على الثاني. لأن اللوح إذا حصل فيه نقوش فاسدة، فالواجب إزالتها أولا، حتى يمكن تحصيل النقوش الصحيحة فيه ثانيا. فثبت: أن إزالة ما لا ينبغي متقدمة على تحصيل ما ينبغي.
فلهذا السبب أول ما ذكره الله تعالى في القرآن هذه المراتب. وهي سبعة:
المرتبة الأولى: إزالة ما لا ينبغي، وهو المراد بالتقي. فلهذا بدأ الله بذكره، فقال: هُدىً لِلْمُتّقِين [1] وأما سائر المراتب بعد ذلك فهي إشارة إلى تحصيل ما ينبغي. وأشرف ما يتعلق بالإنسان هو النفس، وأوسط المراتب: البدن، وأدونها المال، ولهذا ذكر بعد قوله هُدىً لِلْمُتّقِين: قوله تعالى: يُؤْمِنُون بِالْغيْبِ فإن محل الإيمان هو القلب، وبعده قوله:
ويُقِيمُون الصّلاة لأنها تتعلق بالبدن، وآخره قوله: ومِمّا رزقْناهُمْ يُنْفِقُون لأنه يتعلق بالمال، ولما ذكر هذه الأحوال الأربعة المتعلقة بالإلهيات، أرفدها بذكر مرتبتين متعلقتين بالنبوات، فقال: والّذِين يُؤْمِنُون بِما أُنْزِل
(1) البقرة 2.