فهرس الكتاب
[29] وذلك لأنا بينا: أن صدور الفعل عن القادر يتوقف على حصول الداعية المخصوصة في قلبه. وحصول تلك الداعية بعينها في قلبه، ليس بداعية أخرى من قبل العبد وإلا لزم التسلسل. بل لا بد وأن يكون من الله، وحينئذ يلزم أن [يكون [1] ] العبد غير مستقل لا بالفعل ولا بالترك. فهذا الذي أوردتموه علينا ليس اعتراضا على كلامنا بل هو تأكيد، وتقوية، وتقرير له فظهر أن هذا السؤال الذي ذكروه: سؤال ساقط، لا يصدر إلا عن قلة الفهم.
والوجه الثاني في الجواب: إنكم إما أن تقولوا: إن القادر على الضدين، يترجح صدور أحد الضدين عنه من غير مرجح البتة. أو تقولوا:
القادر يرجح أحد مقدوريه على الثاني من غير مرجح. والأول باطل. لأنا نجد من أنفسنا بالضرورة: أن الذي يمشي في السوق إلى موضع، إذا وقع في قلبه:
أن الرجوع عن ذلك الجانب إلى جانب آخر: مصلحة من وجه. فإنه متى تعادلت الداعيتان في قلبه، ولم يترجح أحدهما على الآخر البتة، فإن ذلك الإنسان يبقى في ذلك الموضع، ولا يمكنه أن يتقدم أو يتأخر ويبقى [2] على تلك الحالة إلى أن يقع في قلبه: أن أحد الجانبين أكثر مصلحة. وعند ظهور هذا الرجحان يترجح الإذهاب إلى ذلك الجانب. فثبت: أن القول بأنه يصدر عنه أحد الضدين من غير أن يكون هو مرجحا لذلك [الضد [3] ] كلام تدفعه بديهة العقل. وأيضا: فهل يقبل العقل أن يقال: العطشان إذا خير بين شرب قدحين، ثم أنه لا يمد يده إلى أحدهما، ولا يخص أحدهما بالأخذ والرفع. بل لمجرد كونه قادرا يرتفع أحد القدحين إلى فمه، وينصب ذلك الماء في حلقه؟
فهذا مما يعلم [4] بطلانه ببديهة العقل.
وأما إن [قيل: إن [5] ] القادر يرجح أحد مقدوريه على الآخر لا
(1) من (م)
(2) لم يبق (ط، ل)
(3) من (ط، ل)
(4) لا يعلم (م)
(5) من (ط، ل)