فهرس الكتاب
[58] والذي يدل على صحة هذه المقدمة: إن ماهيات أفعال العباد قابلة للمعدوم، وقابلة للموجود، قبولا على التساوي، من غير رجحان أصلا البتة [1] . فلو فرضنا أنه لا يرجح أطراف وجود هذه الأفعال على طرف عدمها، إلا قدرة العبد. ثم إن قدرة العبد غير موجبة لذلك، بل هي صالحة للفعل والترك [ولم يكن [2] ] أيضا هذا الرجحان. لا ابتداء ولا بواسطة. لأن التقدير أنه لم يوجد في الأزل ما يوجب تلك الأفعال. لا ابتداء ولا بواسطة. وإلّا فالجبر لازم. وإذا كان الأمر كذلك، كانت أفعال العباد في أنفسها قابلة للعدم، وقابلة للوجود على السوية. ولم يكن هناك البتة ما يقتضي رجحان وجودها على عدمها. فلو اعتقد معتقد فيها: كونها راجحة الوجود على العدم، كان ذلك الاعتقاد: اعتقادا غير مطابق. فكان جهلا. والجهل على الله محال.
فثبت: أنه تعالى لو لم تتعلق قدرته في الأزل بإيقاع تلك الأفعال في لا يزال، ولم يتعلق أيضا بإيقاع ما يوجب وقوع تلك الأفعال في لا يزال، كان اعتقاد أنها ستقع في لا يزال، اعتقادا غير مطابق للمعتقد، وإنه جهل. وهو على الله محال. وإذا كان الأمر كذلك، وجب أن يقال: إن قدرته تعالى في الأزل، تعلقت بإيقاع هذه الأفعال في لا يزال، أو بإيقاع ما يوجب هذه الأفعال في لا يزال، حتى يكون علمه بأنها ستقع في لا يزال: علما، ولا يكون جهلا.
فإنه قيل: إنه تعالى يعلم في الأزل أن فعل العبد سيترجح وجوده على عدمه، في الوقت الفلاني، وفي ذلك الوقت يكون المقتضى لترجح وجوده على عدمه حاصلا. فأما لمّا فرضنا أن المقتضى لذلك الترجح، هو قدرة العبد.
وفرضنا أن قدرة العبد حاصلة في ذلك الوقت. فعلى هذا التقدير، كان المقتضى لترجحه حاصلا في ذلك الوقت.
والجواب: إن هذا سوء فهم، لما ذكرناه. وذلك لأنه تعالى يعلم في الأزل أن وجود الفلاني سيترجح على عدمه في الوقت الفلاني في لا يزال.
(1) والبتة (م، ط) .
(2) سقط (ط) .