فهرس الكتاب
[92] الثاني: إنه لو قدر العبد على إيجاد بعض الممكنات، لما كان لقدرته تأثير، إلا في إعطاء الوجود. لأنا بينا في سائر كتبنا بالدلائل الكثيرة: أن وجود الممكنات زائد على ماهياتها. ولا يمكن أن يكون تأثير القادر في تكوين الماهيات. فإن الشيء ما لم يكن ممكن الوجود، لم يتصور أن يكون للقادر فيه تأثير. فتأثير القادر فيه، مسبوق بكونه في نفسه ممكن الوجود، وكونه في نفسه ممكن الوجود [1] يقرر ماهيته المخصوصة. لأن إمكانه صفة له، وصفة الشيء متأخرة بالرتبة عن الموصوف. فثبت: أن تأثير القادر فيه: متأخر عن تقرر ماهيته بمرتبتين. ولو كان تأثير القادر في ماهيته، لكان تقرر ماهيته متأخرا عن تأثير القادر فيه، وحينئذ يلزم أن يكون المتقدم على الشيء بمرتبتين، متأخرا عنه. وذلك محال. فثبت بهذا الوجه: أن تأثير القادر، تبين في جعل الماهية ماهية، بل ذلك التأثير في جعلها موجودة. فثبت: أن العبد لو كان قادرا على الإيجاد، لما كان لقدرته تأثير إلا في إعطاء الوجود.
واعلم: أن هذا كلام حسن قوي. إلا أنه يشم منه رائحة: أن المعدوم شيء. فثبت: أن العبد لو كان قادرا على إيجاد بعض الممكنات، لما كان لقدرته تأثير إلا في إعطاء الوجود. فنقول: لو كان الأمر كذلك، لوجب أن يقدر على كل الممكنات. وذلك لأنه [لما [2] ] كان لا تأثير للموجد، إلا في إعطاء الوجود، وثبت: أن الوجود قضية واحدة في جميع الممكنات، ولا تفاوت بينهما البتة في هذا المفهوم: لزم أن يكون القادر على إيجاد [3] بعض الممكنات، قادر على إيجاد كلها. ضرورة أن القادر على الشيء قادر على مثله.
الوجه الثالث في بيان أن العبد لو قدر على إيجاد بعض الممكنات، لقدر على إيجاد كلها: أن نقول: مذهب مشايخ المعتزلة: أن المعدوم شيء، وأن القادر لا تأثير له إلا في إعطاء الوجود. وثبت: أن الوجود مفهوم داخل في الكل، وثبت: أن القادر على الشيء قادر على مثله: لزم أن يكون القادر على
(1) لا وجود (ط) .
(2) من (ط، ل) .
(3) الإيجاد (ط) .