فهرس الكتاب
[108] التعيين. فنقول: هذا أيضا محال. وذلك لأن اعتقاد أن الشيء كذا، قد يكون علما إذا كان مطابقا لذلك المعتقد وقد يكون جهلا، وهو إذا كان غير مطابق. فالعلم إنما يتميز عن الجهل، إذا عرف كونه مطابقا لذلك المعتقد [وقد يكون جهلا، وهو إذا كان غير مطابق [1] ] فعلى هذا لا يمكن أن يقصد إلى العلم دون الجهل، إلا إذا ميز بين العلم وبين الجهل، ولا يمكنه أن يعرف هذا الامتياز إلا إذا عرف أن هذا الاعتقاد مطابق للمعتقد، ولا يمكنه أن يعرف هذه المطابقة، إلا إذا عرف أو لا حال ذلك المعتقد في نفسه. فثبت: أنه لا يمكن أن يجعل نفسه عالما بذلك الشيء، إلا إذا كان قد عرف أولا حال ذلك الشيء. وذلك يقتضي كون الشيء مشروطا بنفسه. وهو محال. فثبت: أن إقدار الانسان على جعل نفسه، عالما بشيء: أمر محال. وبهذا البرهان يظهر أيضا: أن الإنسان لا يمكنه أن يجعل نفسه جاهلا بشيء. لأن الجهل إنما يتميز عن العلم، بكونه غير مطابق للمعتقد. ولا يمكنه أن يعرف كونه غير مطابق للمعتقد، إلا إذا عرف قبل ذلك، حال ذلك المعتقد في نفسه. فثبت: أنه لا يمكنه تحصيل الجهل لنفسه، إلا إذا كان عالما بذلك الشيء. وهذا يقتضي كون أحد الضدين مشروطا بالآخر، وإنه محال.
فثبت بهذه البراهين القاطعة: أن كل ما حصل في قلوب الخلق وعقولهم من العلوم والجهالات، فالكل من الله [وبإيجاد الله [2] ].
فإن قالوا: لم لا يجوز أن يقال: إنه وإن كان لا يمكنه إحداث العلوم والجهالات في نفسه ابتداء، إلا أنه يمكنه إحداثها بواسطة علوم متقدمة عليها، أو جهالات متقدمة عليها؟
قلنا: الجواب من وجهين: الأول: إن تلك الجهالات لا تتسلسل، بل تنتهي إلى جهل أول.
فيكون خالقه هو الله سبحانه.
(1) من (ط) .
(2) من (ط، ل) .