فهرس الكتاب

الصفحة 2259 من 2479

[139] الأول: إن التقدير عبارة عن الفكرة والروية والظن والحسبان. وذلك في حق الله تعالى ممتنع. ولما امتنع حمل كونه خالقا لأفعال العباد، على معنى التقدير، وجب حمله على معنى الإحداث.

الثاني: هب أن كونه تعالى خالقا لأفعال العباد، عبارة عن كونه تعالى مقدرا لها إلا أن التقدير عبارة عن إيقاع ذلك الفعل في زمان مخصوص، ومحل مخصوص، على وجه مخصوص. وهذا المعنى لا يتأتى إلا ممن كان محدثا للفعل. فلما ثبت بهذا النص: أنه تعالى مقدر لأفعال العباد، وثبت بالعقل:

أن مقدر الأفعال يجب أن يكون موجدا لها، لزم من مجموع الأمرين كونه تعالى موجدا لأفعال العباد. لأنا نقول:

أما الأول. فجوابه: إن التقدير عبارة عن إيقاع الفعل على قدر مخصوص. وهذا المعنى لا يحصل إلا بالعلم أو الظن. ثم إن كان العلم حاصلا، كما في حق الله تعالى، فلا حاجة إلى الفكرة، وإن لم يكن حاصلا كما في حق العبد. فهناك يحتاج إلى الفكرة لتحصيل ذلك العلم، أو ذلك الظن.

وأما السؤال الثاني: فجوابه: أن نقول: إنه تعالى مقدر لأفعال العباد.

بمعنى أنه تعالى حاكم بوقوعها على تلك المقادير، كما يقال: فلان يكفر فلانا، أو يضلله. إذا حكم بكفره وضلاله. سلمنا: أن الخلق هو الإحداث. لكن لم قلتم: إن الآية تتناول أفعال العباد؟ ولا نسلم أن لفظة «كل» تفيد الاستغراق. وبيانه: إن لفظة «كل» كما تستعمل في الاستغراق، فقد تستعمل أيضا في الأكثر الأغلب. يقال: أكلت كل هذه الرمانة، وإن كان ربما تساقط منها حبة أو حبتان. ويقال: كل هذا الثور أبيض، وإن كان ربما حصلت شعور قليلة غير بيض في جلده. ولا ننكر أن أفعال العباد، بالنسبة إلى جميع مخلوقات الله تعالى، كالقليل بالنسبة إلى الكثير، فلم لا يجوز أن يكون المراد من قوله: «خالِقُ كُلِّ شيْءٍ» : ما سوى أفعال العباد؟.

لا يقال: لفظ الكل حقيقة في الاستغراق. لأنا نقول: هذا مدفوع من وجهين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت