فهرس الكتاب
[138] ولما لخصنا هذه المقدمة، فلنرجع إلى تقرير الدلائل والبينات: الحجة الأولى في بيان أن الله تعالى خالق لأعمال العباد: نقول: عمل العبد شيء، وكل شيء فهو مخلوق لله تعالى. لقوله تعالى: اللهُ خالِقُ كُلِّ شيْءٍ [1] ينتج: أن عمل العبد مخلوق لله تعالى. واعلم: أنا قبل الخوض في تعديد السؤالات والجوابات نقدم أمرين لا بد منهما.
أما الأول: فهو أن نقول: إن الموجود إما أن يكون واجبا لذاته أو ممكنا لذاته، والممكن لذاته. لا يترجح عدمه على وجوده، ووجوده على عدمه، إلا بترجيح الواجب لذاته. وقد قررنا هذه النكتة في باب الدلائل العقلية.
فيثبت: أنه تعالى هو الخالق والموجد والمقدر لجميع الممكنات. ولما كان فعل العبد من جملة الممكنات، وجب دخوله في هذه القضية. فثبت: أن ظاهر قوله سبحانه: اللهُ خالِقُ كُلِّ شيْءٍ قد تأكد بهذا البرهان العقلي القاطع.
وأما الثاني: فهو أنه تعالى ذكر هذه الآية في مواضع من كتابه:
إحداها: قوله تعالى: أمْ جعلُوا لِلّهِ شُركاء. خلقُوا كخلْقِهِ. فتشابه الْخلْقُ عليْهِمْ. قُلِ: اللهُ خالِقُ كُلِّ شيْءٍ. وهُو الْواحِدُ الْقهّارُ [2] وثانيها: قوله تعالى: لا إِله إِلّا هُو، خالِقُ كُلِّ شيْءٍ. فاعْبُدُوهُ [3] وثالثها: قوله:
وخلق كُلّ شيْءٍ، وهُو بِكُلِّ شيْءٍ علِيمٌ [4] ورابعها: قوله: وخلق كُلّ شيْءٍ. فقدّرهُ تقْدِيرًا [5] .
فإن قيل: دليلكم ينتج أن فعل العبد مخلوق لله تعالى. ونحن نقول بموجبه. وذلك لأن الخلق عبارة عن التقدير. وعندنا: أن أفعال العباد واقعة بتقدير الله تعالى، وإن كانت حاصلة بإيجاد العبد وإحداثه.
لا يقال: هذا مدفوع من وجهين:
(1) سورة الرعد، آية: 16.
(2) سورة الرعد، آية: 16.
(3) سورة الأنعام، آية: 102.
(4) سورة الأنعام، آية: 101.
(5) سورة الفرقان، آية: 25.