فهرس الكتاب
[143] المتوسط مدحا، وإلّا لصار الكلام: ركيكا. فثبت: أن قوله: خالِقُ كُلِّ شيْءٍ: مذكور في معرض المدح والثناء على الله تعالى. وكونه فاعلا للجهل والكفر والقبائح والفواحش، يوجب الذم العظيم. بل نقول: إن على مذهب المجبرة، لا مذموم إلا وفاعله هو الله تعالى، فوجب أن لا يستحق الذم أحد إلا الله. وأيضا: لو كان تعالى موجدا لأفعال العباد، ثم يأمرهم بالطاعة والإيمان، صار كأنه يقول لعبيده: يا من لا يمكن أن يفعل: افعل. وكأنه يضرب الزمن، ويقول له: طرفي الهواء، ويضرب الأعمى، ويأمره بنقط المصاحف، ويقيد يدي عبده ورجليه ويرميه من شاهق جبل، ثم يضربه فيما بين الهواء، ويقول له: قف. ومعلوم: أن مثل هذا الشخص لا يوجد في الدنيا، أشد استحقاقا للذم منه.
فثبت بما ذكرنا: أن قوله تعالى: خالِقُ كُلِّ شيْءٍ مذكور في معرض المدح والثناء، وثبت أن كونه خالقا لأفعال العباد، يوجب الذم العظيم، فصارت هذه القرينة: قرينة دالة على أن عموم قوله: اللهُ خالِقُ كُلِّ شيْءٍ: مخصوص، بما سوى أفعال العباد.
والوجه الثاني في بيان الدلائل المتصلة بهذه الآية، الدالة على كونها مخصوصة بما سوى أفعال العباد: أنه تعالى لما قال: خالِقُ كُلِّ شيْءٍ أردفه بقوله: فاعْبُدُوهُ وهذا يدل على أن العبادة ليست فعلا لله تعالى. وبيانه من وجوه:
الأول: إنه تعالى أمرهم بها، وكيف يعقل أن يأمرهم بما لا يكون فعلا لهم.
الثاني: إنه تعالى جعل كونه خالقا للأشياء، علة لكونه مستحقا للعبادة. بدليل: أنه تعالى، لما ذكر كونه خالقا للأشياء، أتبعه بقوله:
فاعْبُدُوهُ فلو كانت عبادتهم له، داخلة في قوله: خالِقُ كُلِّ شيْءٍ لصار الشرط عين الجزاء. وهذا باطل. لأنه يصير في التقدير كأنه يقول: