فهرس الكتاب
[144] يا عبدي، فعلت أنا عبادتك، فافعلها أنت بعينها أيضا. ومعلوم أن هذا الكلام باطل.
الثالث: إن قوله تعالى: خالِقُ كُلِّ شيْءٍ يدل على أن خلق تلك الأشياء، قد حصل ودخل في الوجود، وصار مفروغا منه، كما إذا قال قائل:
فلان قاتل زيدا: فهم منه: أن ذلك القتل قد حصل، ودخل في الوجود، وفرغ منه. وأما قوله: فاعْبُدُوهُ فهو أمر، والأمر إنما يتعلق بما يكون حاصلا في الحال. لكنه مما سيحصل.
قلت: إن كل ما دخل تحت قوله: خالِقُ كُلِّ شيْءٍ فقد حصل في الحال، ولا داخل في الوجود. وهذا يفيد القطع بأن الداخل تحت قوله:
«فاعْبُدُوهُ» غير داخل تحت قوله: خالِقُ كُلِّ شيْءٍ.
والوجه الثالث في بيان الدلائل المتصلة بهذه الآية الدالة على كونها مخصوصة، بما سوى أفعال العباد: أنه تعالى قال بعد هذه الآية: قدْ جاءكُمْ بصائِرُ مِنْ ربِّكُمْ. فمنْ أبْصر فلِنفْسِهِ، ومنْ عمِي فعليْها [1] وهذا تصريح بأن العبد مستقل بأفعال نفسه، وأن زمام الاختيار إليه، وأنه البتة غير مجبور على شيء من أفعاله.
فهذه الوجوه الثلاثة: دلائل متصلة بهذه الآية دالة على كونها مخصوصة، بما سوى أفعال العباد.
وأما الدلائل المخصصة المنفصلة فهي ثلاثة: بديهية العقل، ودليل العقل، ودليل السمع.
أما الأول وهو بديهة العقل. فتقريره: أن أصحاب «أبي الحسين» قالوا: حسن المدح والذم والمؤاخذة والمطالبة: معلوم بالضرورة، ونعلم أيضا بالضرورة: أن العبد لو لم يكن موجدا لأفعال نفسه، لما حسنت هذه الأشياء، فلما كان العلم بحسن المدح والذم ضروريا، وكان العلم بكون العبد موجدا
(1) سورة الأنعام، آية: 104.