فهرس الكتاب

الصفحة 2272 من 2479

[152] سلمنا: أن هذه الآية تفيد أنه لا خالق إلا الله. إلا أنا نقول: العبد محدث لأفعال نفسه وموجد لها. ولا نقول: إنه خالق لها. لأن الخلق عمارة عن التقدير. فالخالق هو الذي يقع فعله مقدرا بالتقدير الذي يقدره به، على الوجه الذي يوقعه عليه. وهذا لا يصح إلا من الله تعالى. فأما العبد فإنه في أكثر الأمر يقدر شيئا، ويقع بخلافه. فلا جرم لم يجز إطلاق اسم الخالق عليه. والله أعلم.

والجواب: إنا قد دللنا في كتاب «لوامع البينات. في تفسير الأسماء والصفات» : إن الله اسم علم. وثبت أن اسم العلم لا يفيد فائدة سوى دلالته على الذات المخصوصة. ولهذا السبب قالوا: إن أسماء الأعلام قائمة مقام الإشارات. إذا ثبت هذا فنقول: لا يمكن أن يكون الحصر عائدا إلى مفهوم قولنا «الله» هو تلك الذات المخصوصة، فلو عاد الحصر إليه، لصار معنى الكلام: إن ذلك المعين ليس إلا ذلك المعين، ومعلوم: أن هذا الكلام عبث، لأن كل شيء معين، فذاك ليس إلا ذاك فلا يبقى لتخصيص ذات الله بهذا الحصر فائدة.

فثبت: أن هذا الحصر لا يمكن عوده إلى مفهوم قولنا «الله» فوجب أن يكون هذا الحصر عائدا إلى المفهوم من لفظ الخالق. وحينئذ يصير تقدير الآية:

هو الخالق. وذلك يقتضي حصر الخالقية فيه.

وأما السؤال الثاني. فجوابه: إن الخالق بمعنى المقرر هو الذي يوقع الشيء على مقدار مخصوص. فلو كان العبد موجدا لأفعال نفسه، لكان العبد موجدا لها على مقاديرها المخصوصة في العدد والزمان والمكان. فكان مقدرا لها، فوجب كونه خالقا لها، وحينئذ يبطل الحصر الذي دلت الآية عليه.

أقصى ما في الباب: أن أفعال العباد قد تقع في بعض الأوقات، بخلاف تقديراتهم. إلا أن كون الاسم حقيقة في جانب الثبوت، يكفي في حصوله حصول ذلك المسمى في بعض الصور، ولا يتوقف على حصول ذلك المسمى في كل الصور. وبالله التوفيق.

الحجة السادسة: قوله تعالى في أول سورة الفرقان: ولمْ يكُنْ لهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت