فهرس الكتاب
[154] يرزقنا من السماء، فثبت: أنه لو كان العبد خالقا لأفعال نفسه، لكان المحذور لازما.
والجواب عن الثاني: إن الخالق هو الموجد المقدر، وكما أن الله تعالى يقدر بعلمه التام، فكذلك العبد يقدر بحسب ظنه وخياله.
الحجة الثامنة: قوله تعالى: والّذِين يدْعُون مِنْ دُونِ اللهِ، لا يخْلُقُون شيْئًا. وهُمْ يُخْلقُون [1] ومعلوم: أنه قد دعى من دونه: المسيح، والملائكة، وفرعون، ونمرود. وهذا النص يقتضي أن واحدا من هؤلاء لم يخلق شيئا. لأن قوله: لا يخْلُقُون شيْئًا: نكرة في النفي، فيفيد العموم. كما إذا قال الرجل: ما رأيت شيئا، وما سمعت خبرا، وما أكلت لقمة، فإنه يفيد العموم. وأيضا: قوله: والّذِين يدْعُون مِنْ دُونِ اللهِ يفيد العموم في الكل. لأنا بينا في أصول الفقه: أن هذه الصفة تفيد العموم، والمعتزلة يسلمون ذلك، وعليه بنوا مذاهبهم في مسألة الوعيد.
الحجة التاسعة: قوله تعالى: هذا خلْقُ اللهِ. فأرُونِي ماذا خلق الّذِين مِنْ دُونِهِ [2] والمراد من هذه الرؤية: العلم. لأن سياق الآية يدل على أن المراد منه: تميز ذات الله تعالى عن سائر الذوات بصفة الخالقية. وهذا التميز لا يحصل إلا إذا حملنا هذه الرؤية على العلم. وإذا ثبت هذا فنقول: لو كان الحيوان خالقا لفعل نفسه، لوجب أن يقول الكفار عند سماع هذه الآيات: إنا قد خلقنا الإرادات والكراهات والخواطر والحركات والسكنات، فلما لم يقل أحد من الكفار ذلك، علمنا أنه لا خالق إلا الله.
فإن قالوا: العبد ليس خالقا لفعل نفسه، وإن كان موجدا لها.
فالجواب: ما سبق. وبالله التوفيق.
الحجة العاشرة: قوله تعالى: واللهُ خلقكُمْ. وما تعْملُون [3] وجه
(1) سورة النحل، آية: 20.
(2) سورة لقمان، آية: 11.
(3) سورة الصافات، آية: 96.