فهرس الكتاب
[166] الثالث: إن لفظ الاسلام إذا ذكر خاليا عن الصلات، أفاد الإيمان، أما إذا قرن بحرف اللام، كقوله: مُسْلِميْنِ لك فالمراد الاستسلام والانقياد والرضا، بكل ما قضاه الله. فيحتمل: أن يكون المراد بقوله: اجْعلْنا مُسْلِميْنِ لك: ما ذكرناه. والله أعلم.
وقوله: «الدلائل العقلية دلت على امتناع وقوع الفعل بخلق الله تعالى، وهي في فصل المدح والذم» قلنا: دلائلنا العقلية أقوى وأجلى على ما سبق تقريره.
الحجة الثانية: قوله تعالى في آخر هذه الآية: وتُبْ عليْنا. إِنّك أنْت التّوّابُ الرّحِيمُ [1] ولو كانت التوبة بخلق العبد، لكان طلبها من الله جاريا مجرى أن يقول العبد: يا إلهي أفعل ما أنا فاعله.
فإن قيل: هذا معارض بما أن الله تعالى طلب التوبة منا. فقال: يا أيُّها الّذِين آمنُوا تُوبُوا إِلى اللهِ توْبةً نصُوحًا [2] ولو كانت التوبة فعلا لله تعالى، لكان طلبها من العبد محالا. ولما ثبت التعارض، وجب التوفيق بينهما. فنحمل قوله تعالى: وتُبْ عليْنا على التوفيق، وفعل الألطاف، أو على أن الله تعالى يقبل التوبة من العبد.
والجواب: الترجيح معنا. لأن دليل العقل يقوي قولنا: إن التوبة لا تحصل إلا بخلق الله تعالى. وبيانه من وجهين:
الأول: إنا أقمنا الدلائل القاهرة على أن القادر يمتنع أن يصدر عنه الفعل إلا عند حصول الداعي، وأقمنا الدلائل القاهرة على أن عند حصول الداعي المرجح يجب الفعل. إذا ثبت هذا فنقول: إنه تعالى عند ما لم يخلق للعبد داعية إلى التوبة، امتنع صدور التوبة عنه، ولما خلق فيه تلك الداعية، وجب صدور التوبة عنه. وعلى هذا التقدير تكون التوبة إنما حصلت بتحصيل الله تعالى. إما بواسطة، أو بغير واسطة.
(1) سورة البقرة، آية: 128.
(2) سورة التحريم، آية: 8.