فهرس الكتاب

الصفحة 2287 من 2479

[167] الوجه الثاني في بيان أن التوبة يمتنع حصولها إلا بتخليق الله تعالى: أن نقول: التوبة عبارة عن مجموع أمور ثلاثة مترتبة بعضها على البعض. وتلك الثلاثة هي: العلم، والحال، والعمل. فالعلم أول، والحال ثاني وهو معلول العلم والعمل ثالث وهو معلول الحال.

أما العلم فهو معرفة ما في الذنوب من المضار، ثم يتولد من هذه المعرفة تألم القلب بسبب فوت المنفعة، ونزول المضرة. ثم يتولد من ذلك الألم أحوال عملية، لها تعلق بالحال والماضي والمستقبل. وأما تأثيره في الحال. فبأن يترك ذلك الذنب، الذي كان ملابسا له. وأما تعلقه بالماضي. فبأن يتلافى ما فات بالقضاء، إن كان قابلا للقضاء. وأما تعلقه بالمستقبل. فبالعزم على ترك ذلك العمل إلى آخر العمر.

فالعلم هو الأول. وهو مطلع هذه الخيرات. وأعني بهذا العلم:

اشتمال الذنوب على المضار العظيمة، ويجب أن يكون هذا الإيمان يقينيا متأكدا، خاليا عن الشكوك والشبهات، وإلا لم يكن علما، بل يكون ظنا.

غير أن ذلك اليقين إذا استولى على القلب، أوجب تألم القلب. وذلك العلم يوجب الأمور الثلاثة، بحسب الأزمنة الثلاثة.

إذا عرفت هذا فنقول: الاعتقاد الجازم في كون الذنب، سببا لحصول المضار العظيمة يوجب النفرة عن الذنوب. وهذه النفرة توجب الترك في الحال، والعزم على الترك في المستقبل. فترتب كل واحد من هذه المراتب على ما قبله، ترتب ضروري واجب بالذات، فلا يمكن للعبد فيه مكنة واختيار.

بقي أن يقال: الداخل تحت التكليف هو تحصيل ذلك العلم. لكنا بينا بالبراهين القاهرة: أن تحصيل العلم ليس مقدورا للعبد. فثبت بما ذكرنا: أن حصول التوبة ليس إلا من الله تعالى. ولما ثبت أن مذهبنا تقوى بالدلائل العقلية، كان مذهبنا أولى من مذهبكم. وبالله التوفيق.

الحجة الثالثة: قوله تعالى: فاجْعلْ أفْئِدةً مِن النّاسِ تهْوِي إِليْهِمْ [1]

(1) سورة ابراهيم، آية: 37.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت