فهرس الكتاب
[183] فإن قيل: هذا محمول على فعل الألطاف، أو على الحكم والتسمية.
قلنا: سبق الجواب عن الكل، على سبيل الاستقصاء.
الحجة الثامنة: قوله: إِنّ الله على كُلِّ شيْءٍ قدِيرٌ [1] ومجيء ما يجري مجرى هذا اللفظ في القرآن كثير. فنقول: إن فعل العبد شيء، فوجب أن يكون الله قادرا عليه، بحكم هذا النص، فثبت: أن مقدور العبد، مقدور لله تعالى، فوجب أن يقع بقدرة الله تعالى. لأنه لو وقع بقدرة العبد، لامتنع على الله تعالى إيقاعه. لأن إيجاد الموجود محال. وذلك يفضي إلى أن العبد يعجز عن فعله. وذلك محال.
فإن قيل: قوله: إِنّ الله على كُلِّ شيْءٍ قدِيرٌ عام دخله التخصيص من وجوه: منها: إن ذات الله وصفاته أشياء، وهو غير قادر عليها. ومنها:
إن الجواهر حال بقائها أشياء. وهو تعالى غير قادر عليها. لأن إيجاد الموجود محال. ومنها: إن الحركة شيء، ثم إن إيجادها حال حصول ضدها محال.
ومنها: إن الجوهر شيء، ثم إن إيجاده حال عدم العرض محال. فثبت: أن هذا عام دخله التخصيص. فتصير دلالة هذا العام ظنية.
سلمنا: أن مقدور العبد مقدور لله تعالى، فلم قلتم: إنه يجب وقوعه بقدرة الله تعالى، وما ذكرتموه من التعجيز، فهو لازم عليكم. لأنه تعالى إذا خلق شيئا، امتنع عليه أن يخلقه مرة أخرى. فيلزمكم أن تقولوا: إن الله تعالى أعجز نفسه، وهو محال.
والجواب: إنا ذكرنا مرارا: أن هذه الدلائل السمعية ظنية. وأما قوله:
«يلزمكم أن الله إذا خلق شيئا، أن يكون قد أعجز نفسه» قلنا: الإعجاز هو أن يصير بحيث لا يمكنه أن يفعل ما كان يمكنه أن يفعل، بسبب منفصل.
فالمقدور الواحد، إذا كان مقدورا لله تعالى وللعبد. فإذا فعله العبد، امتنع بهذا السبب أن يفعله الله تعالى، فكان هذا تعجيزا. لأن هذا التعذر إنما جاء
(1) سورة البقرة، آية: 20.