فهرس الكتاب
[189] الحجة الرابعة عشر: قوله تعالى: وإِنْ تُصِبْهُمْ حسنةٌ. يقُولُوا: هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وإِنْ تُصِبْهُمْ سيِّئةٌ. يقُولُوا: هذِهِ مِنْ عِنْدِك. قُلْ: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ [1] وجه الاستدلال: إن لفظ السيئة يقع على البلية تارة، وعلى المعصية أخرى. وأيضا: الحسنة تقع على النعمة تارة، وعلى الطاعة أخرى. قال تعالى: وبلوْناهُمْ بِالْحسناتِ والسّيِّئاتِ. لعلّهُمْ يرْجِعُون [2] وقال: إِنّ الْحسناتِ يُذْهِبْن السّيِّئاتِ [3] أي الطاعات والمعاصي.
إذا عرفت هذا فنقول: إن قوله: إِنْ تُصِبْهُمْ حسنةٌ يفيد العموم في كل الحسنات. وقوله: وإِنْ تُصِبْهُمْ سيِّئةٌ يفيد العموم في كل السيئات.
ثم قال بعده: قُلْ: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ فهذا تصريح بأن جميع الحسنات والسيئات من الله تعالى. ولما ثبت أن الطاعات والمعاصي داخلتان تحت اسم الحسنة والسيئة، ودل هذا النص على أن جميع الحسنات والسيئات من الله، لزم القطع بأن جميع المعاصي والطاعات من الله تعالى.
فإن قيل: المراد هاهنا بالحسنة والسيئة، ليس هو الطاعة والمعصية.
ويدل عليه وجوه:
الأول: اتفاق الكل على أن هذه الآية نازلة في معنى الخصب والجدب.
قال المفسرون: كانت المدينة مملوءة من النعم، وقت مقدم النبي صلى الله عليه وسلّم، فلما ظهر عناد اليهود ونفاق المنافقين، أمسك الله عنهم بعض الإمساك، كما جرت عادته في جميع الأمم. قال تعالى: وما أرْسلْنا فِي قرْيةٍ، مِنْ نبِيٍّ إِلّا أخذْنا أهْلها [4] فعند هذا قال اليهود والمنافقون: ما رأينا أعظم شؤما من هذا الرجل. نقصت ثمارنا، وغلت أسعارنا، منذ قدم. فكان قوله: إِنْ تُصِبْهُمْ حسنةٌ يعني الخصب ورخص السعر وتتابع الأمطار. قالوا: هذا مِنْ عِنْدِ
(1) سورة النساء، آية: 78.
(2) سورة الأعراف، آية: 168.
(3) سورة هود، آية: 114.
(4) سورة الأعراف، آية: 94.