فهرس الكتاب
[197] وكُنّا بِهِ عالِمِين [1] وإيتاء الرشد، ليس عبارة عن أصل العقل وسلامة المزاج.
لأن ذلك حاصل في حق الأكثرين. فلا يجوز ذكره في معرض المنة عليه. وليس المراد أيضا: التوفيق والبيان. لأن كل ذلك حاصل في حق الكفار. فوجب أن يكون المراد: ما حصل عنده من العلوم الكثيرة والأفعال الشريفة. وذلك يدل على أن أفعال العبد تحصل بخلق الله تعالى.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد من الرشد: النبوة؟ والدليل عليه:
قوله تعالى: وكُنّا بِهِ عالِمِين وذلك لأنه تعالى إنما يخص بالنبوة من يعلم من حاله أنه في المستقبل يقوم بحقها ويجتنب عن كل ما لا يليق بها. ولذلك قال:
اللهُ أعْلمُ حيْثُ يجْعلُ رِسالتهُ [2] .
سلمنا ذلك. فلم لا يجوز أن يقال: المراد من هذا الرشد، هو ما آتاه الله من العقل والفهم الكامل؟ قوله: «العقل حاصل في حق الكل» قلنا:
لفظ الرشد إنما يطلق فيمن انتفع بعقله واستعمله في تحصيل مصالحه.
والجواب: إن الرشد هو الاهتداء إلى وجوه المصالح. قال تعالى: فإِنْ آنسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا. فادْفعُوا إِليْهِمْ أمْوالهُمْ [3] ولا يمكن أن يكون المراد والتعظيم، ولا يجوز تخصصه بالنبوة. لأن لفظ الرشد، مطلق، فتقييده بالنبوة خلاف الظاهر، فوجب حمله على كل ما كان حاصلا له من العلوم والأفعال الشريفة. وحينئذ يحصل المطلوب.
الحجة الثامنة عشر: قوله تعالى: ومِن الّذِين قالُوا: إِنّا نصارى، أخذْنا مِيثاقهُمْ، فنسُوا حظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ. فأغْريْنا بيْنهُمُ الْعداوة والْبغْضاء إِلى يوْمِ الْقِيامةِ [4] دل هذا النص: على أنه تعالى أوقع الإغراء بينهم، حتى تقاتلوا. ولا شك أن تلك العداوة المقاتلة: أفعال قبيحة. فإن قالوا: قوله:
«بيْنهُمُ» راجع إلى النصارى، وإلى من تقدم ذكرهم من اليهود، فالله تعالى
(1) سورة الأنبياء، آية: 51.
(2) سورة الأنعام، آية: 124.
(3) سورة النساء، آية: 6.
(4) سورة المائدة، آية: 14.